سلسلة أبحاث لاهوتية

 

دلائل على كفارة المسيح

في التوراة والأنبياء

 

مَن أراد أن يعرف كفارة ابن مريم في اتساعها وعمقها ينبغي أن يتعمق في أسفار العهد القديم، ويقرأ ما يعلنه الوحي تمهيداً لمصالحة الله مع العالم الفاسد.

 

 

ابن حواء يغلب الشيطان

 

عندما انفتحت أم البشرية لحيلة الحيّة، ووافقت على الثورة ضد الله، لم يُبد الله المرتدة فورا، بل منحها فرصة للتوبة قبل موتها.

أمّا الحيّة الملعونة، فقد أنبأها الرب، بأنّ واحداً من نسل المرأة الأولى، سيسحق رأسها ويبيدها.

 

أما الانتصار على الشرير الأصيل فستكلف حياة الغالب. سيتغلب على أبي الكذب بموته البريء. لذلك قال الرب لخير الماكرين: "وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلِك ونسلها، هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه" (سفر التكوين3: 15). ضَمِن الله من بدء الكتاب المقدس غلبة المسيح على إبليس. وُلد ابن مريم ليموت ويدين بموته الشيطان (رؤيا 12: 4-5، 15-17).

ويتضمن إعلان الحرب من الله على الحيّة، أن واحداً من نسل حواء سوف لا يوافق على الفتنة من قبل إبليس ضد الله، ولا يخطئ، بل يغلب الشرير بتواضعه، ووداعته، وحقّه، ومحبته.

وهذه الغلبة ستكون ممكنة، لأن هذا الغالب ليس من صلب آدم الرجل، بل يأتي من صلب المرأة، لأنه وضع فيها روح الله. فالمولود من الروح من مريم العذراء يُبيد عدّو الله نهائياً.

 

تتبارك الشعوب

 بإبن إبراهيم

 

امتحن القدير إبراهيم، ليستوضح إذا كان يحب ابنه الشرعي الوحيد أكثر من الله ربّه. وكان إبراهيم مستعداً أن يضحي بابن الوعد، ليبرهن أنه يحب الله من كل القلب، ومن كل النفس، وكل القوة، وأكثر من كل شيء في هذه الدنيا.

 

أصبحت طريق الآب والابن إلى الجبل، حيث كان المذبح، رمزا لآلام الله الآب، الذي قدم ابنه الروحي الوحيد، كفارة لخطاة العالم. تشير مرارة آلام إبراهيم ومحبته لله إلى شفقة الله الآب بإبنه الطاهر الوحيد، كما تدل على محبة الله للعالم الشرير، الذي أراد إبنه أن يفديه بموته.

 

وأما تواضع اسحق، و وداعته، واستعداده لتحمل الآلام والموت، فهي تدل على يسوع المسيح، الذي من بداية طريقه كمخلص، تقدّم بدون تأّخر، نحو موته الكفاري، ليصالح العصاة مع أبيه السماوي. لا نستطيع تصور مقدار الألم في قلب ابن مريم، القدوس، والحنون، منذ معموديته عوضاً عنا، إلى ساعة صلبه أخيرا. تعلن لنا مصارعته مع الموت في جثسيماني، كيف اضطربت نفسه، وامتلأت حزنا. إنما أطاع مشيئة أبيه دون قيد أو شرط.

 

أقسم الله بذاته، لإبراهيم لأجل طاعة إيمانه، واستعداده للتضحية بوحيده، أنه سيبارك كل الشعوب بواحد من نسله، وأن أتباعه الروحيين سيتضاعفون ولا يمكن لأحد أن يحصيهم، فمثل رمل البحر وكنجوم السماء. نقرأ لهذا في كلمة الوحي: "بذاتي أقسمت، يقول الرب: أني من أجل أنك فعلت هذا الأمر، ولم تمسك ابنك وحيدك، أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيراً كنجوم السماء وكالرمل على شاطئ البحر000 ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي" ( تكوين22: 16-18).

 

بعدما أصبحت آلام إبراهيم واسحق رمزاً لآلام الله الآب وآلام ابنه الروحي، سبب وعد الله لإبراهيم (تحت القَسَم) بركة فوق البركة، في الذين قدموا للرب طاعة الإيمان، والاستعداد للتضحية، بكل شيء في حياتهم.

 

يؤكد لنا بولس الرسول في رسالته لأهل غلاطية، أنّ موت المسيح الكفاري هو ينبوع البركة لكل الشعوب. تتبارك الأسباط، والقبائل، واللغات، لأجل آلام المسيح البريء. إن وعدد الذين قبلوا خلاص الله وحَمله، وتغيروا إلى محبين مضحيين، أصبح عددا كبيرا، حتى لا يستطيع أحد أن يعدّه، كالنجوم في السماء، وكالرمل في البحور (رؤيا7: 9-17).

 

نقرأ في القرآن عن تضحية إبراهيم لإبنه أن الله أعلنَ له:

" قد فديناه بذبح عظيم " (الصافات37: 108).

لم يذكر القرآن ما هو الذبح العظيم، الذي قد تمّ في الماضي، قبل أن يمنع الله إبراهيم من ذبح ابنه الوديع. لذلك لا يكون هذا الذبح حيوانيا، ولا ذبحا جَماعيا، كما في عيد الأضحى، ولا في الماضي أو الحاضر، إنما تدل هذه الآية القرآنية ضمنا على كفارة المسيح الطاهرة، حتى افتدى إبراهيم واسحق وإسماعيل بها، وتحرروا من دينونة الله، لأجل هذا الذبيح النائب عنهم.

 

حَمَل الفصح

(الخروج12: 1-28)

 

 

لم يكن العبرانيون في مصر أفضل من الشعب المصري المستقر في وادي النيل  منذ زمن بعيد. إنما وضعوا أنفسهم تحت حماية دم حمل الفصح المذبوح، الذي دُهنت عتبة أبواب بيوتهم به. فمرّ ملاك الدينونة عنهم، لأجل علامة الدم، التي حفظتهم من غضب الله. ويعني الفصح منذ ذلك الوقت: مرور غضب الله عن الذين وضعوا أنفسهم تحت حماية دم الحمل.

 

وبعد ذبح حَمل الفصح، كان على كل عائلة أن تأكل لحم الذبيح المشوي معا، لكي يعيشوا من قوته، ومن بركته. وهكذا أصبحوا شركة متحدة بالحمل المذبوح، الذي حلّ فيهم.

 

نجد نظام عيد الفصح في العشاء الرباني، الذي قال المسيح فيه: " خذوا كلوا هذا هو جسدي. وقال أيضا: اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (متى26: 26-27).

تدلنا هذه الآيات أن المسيح يريد أن يعيش معنا، وأن يحل فينا حتى نعيش من قوة حمل الله. وحيث يتمركز حمل الفصح في المؤمنين، يكون هو برَّنا، وحياتنا الأبدية.

 

ذبيحة العهد

(خروج24: 5-8)

 

 

عندما قطع الرب العهد مع الشعب المتحرر من العبودية على جبل حوريب في سيناء، أعطاهم  وصاياه في " كتاب العهد"، وقرر ذبح ثيران " كذبيحة العهد"، لأن ليس من إنسان مستحق أن يدخل إلى عهد مع الله. " دم العهد " وحده يؤهل النجسين أن يعيشوا مع الله في عهده القدوس. اختار الله لقطع هذا العهد موسى " كوسيط للعهد القديم ".

 

يتضمن كتاب العهد (القديم) 613 وصيّة، تتلخص في الآية البارزة: " كونوا قديسين لأني أنا قدوس" (اللاويين11: 44 و19: 2). ونقرأ أيضاً: " الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك"(التثنية6: 4-5). وأيضاً: " تحبّ قريبك كنفسك" (اللاويين 19: 9-18).

 

استخدم يسوع كلمة ومعنى دم العهد الذي يسفك مرة واحدة فقط  لقطع العهد، واستخدم هذه الكلمة عند قطعه عهده الجديد. لقد سمّى الخمر في العشاء الرباني، أنه دمه للعهد الجديد (متى26: 28، مرقس14: 24). لم يسفك دمه عن الجميع، بل فقط عن الكثيرين. هذا التحديد يدلنا على أن مَن يؤمن بإبن الله المذبوح ، تتحقق قوة دم العهد فيه. ومن يدخل إلى العهد الجديد مع الله قصدا، و مؤمنا، وواعيا، هذا الذي يطهره دم العهد الجديد، ويقدسه إلى التمام.

 

إن العهد هو هبة الله الموهوبة منه، مع العلم أن المسيح هو الواهب والوسيط للعهد الجديد. صار ابن الله إنسانا، ليؤسس عهدا جديدا، بدون ضعف، والذي يثبت إلى الأبد.

 

وأمّا مضمون كتاب العهد الجديد، هو إنجيل المسيح، مع وعوده ووصاياه الخمس مائة، التي تتلخص بآية واحدة: " كونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل"(متى5: 48).

وهناك آية أخرى: "وصية جديدة أنا أعطيكم: أن تحبوا بعضكم بعضا. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضا " (يوحنا13: 34-35). بهذه الوصية قدّم يسوع نفسه ككتاب العهد لأنه جعل محبته الخاصة مقياسا لمحبتنا نحن.

 

يتضح أن يسوع هو مؤسس العهد الجديد، ووسيطه. هو بنفس الوقت ذبيح العهد وكتاب العهد بذاته. ومنذ صعوده إلى السماء صار أيضا ضامننا للعهد الجديد عند الله.

 

 

ذبيحة الكفارة

( اللاويين4: 1 - 5: 26)

 

إن كان كاهن، أو زعيم، أو الأمة بأجمعها، أو فرد واحد من الشعب، يخطئ سهوا، كان عليه أن يأتي بحيوان للذبح، ويضع يده على رأس الذبيح، كأن تجري خطاياه منه إلى الذبيح. بعدئذ كان مضطرا، أن يذبح نائبه الذبيح بيده الخاصة أمام الله. بعدها يصالحه الكاهن مع الرب بتقديم دم الذبيح، وحرق الدهن على المذبح. أمّا بقايا الذبيح فتحرق خارجا.

 

نستخلص من نظام الذبح الكفاري في العهد القديم مبادئ مهمة لأجل مصالحة الخاطئ مع الله القدوس.

 

1-      منح قتل الذبيح عوضا عن الخاطئ هو نعمة من رب العهد، ولا يقدر الإنسان أن يكفّر عن سيئاته شخصيا. الرب وحده يسمح له، بهذه الوسيلة المؤقتة، أن يجد المصالحة مع القدوس.

 

2-      ينبغي على الخاطئ أن يعرف، ويعترف بخطيئته، ويدرك معناها بواسطة الشريعة الموسوية، فبدون معرفة الخطيئة وبدون الاعتراف بالخطيئة، لا تتم المصالحة مع الله، ولا مغفرة الخطايا.

 

 

3-      لا يمكن لذبيحة الكفارة أن تمحو كل الخطايا، إلا التي حدثت سهوا. كل فتنة أو خطيئة مقصودة ضد الله ووصاياه، لن تغفر، بل تتطلب قصاص الله ودينونته على الخاطئ.

 

4-      يجب على الخاطئ أن يشتري حيوانا للذبح، أو يفرز واحدا من ماشيته، شرط أن يكون بلا عيب. وكل ذبيح ناقص، أو عليل، غير مقبول للذبح، ويعتبر إهانة لله.

5-      لا يجوز أن يذبح الذبيح في الخفاء، وفي أي مكان، بل أن يذبح جهرا أمام الله والأمة. لذلك يتقدم الخاطئ مع ذبحه، ويجرّه بحبل إلى الهيكل المعتبر بيت الله، لتتم الكفارة أمام الرب، لمصالحة الخاطئ معه.

 

6-      يستلزم وضعُ اليد على رأس الذبيح، رمزا لنقل الخطيئة من الخاطئ إلى ذبيحه. فسِرّ المصالحة هو النيابة، فحيثما يكن الذبيح سليما، يُعتبر في العهد القديم نائبا، مستحقا أن ينوب عن خاطئ واحد. عندها يحمل الذبيح الخطيئة عن صاحبه، وأيضا القصاص عوضا عنه.

 

 

7-      على الخاطئ أن يذبح نائبه بيده الخاصة، لكي يتيقن من أن كل خطيئة كبيرة كانت أم صغيرة، تستحق موت الخاطئ (رومية5: 12 و6: 23). وتعني كل خطيئة ثورة ضد الله، وتجاوزا لوصاياه. لذلك تكون إبادة الثائر الذي افتعل الخطيئة عمدا، القصاص الوحيد الممكن. تتم الكفارة فقط للثائر الذي أخطأ انفعالا، أو سهوا، حالما يأتي بذبيحه تائبا، نادما، متأسفا.

 

8-   القصد من ذبح الحيوان هو تصفية الخاطئ تماما بواسطة دمه. لأن الإيمان بالعهد القديم يقول: " إنّ في دمه نفسَ الإنسان" (اللاويين17: 11و14؛ التثنية12: 23؛ عبرانيين9: 22). دم الذبيح وحده يصالح الخاطئ مع الله القدوس. لا يستطيع الإنسان أن يكفّر عن نفسه، بل يحتاج إلى وسيط مقدّس. يستحق الكاهن الممسوح وحده أن يصالح المذنب مع الله، بواسطة تقديم دم الذبيح، الذي رشَّ دمه في العهد القديم، إما على الحجاب الفاصل بين القدس وقدس الأقداس، أو على قرون مذبح البخور.

 

 

9-      كان ينبغي أن يحرق الخاطئ بنفسه الدهن والكليتين وأقساما مهمة  من الذبيح على مذبح المحرقة، لكي يرى بعينيه، كما يحترق ذبيحه في النار، هكذا ينبغي أن أحترق أنا في لهيب جهنم . أما الأقسام الغير المهمة من الذبح، فتُنقل إلى الخارج وتحرق (في وادي هنّوم).                                                 

 

مَن يقارن تفاصيل نظام ذبائح الإثم في العهد القديم، مع موت يسوع الكفاري، يقدر أن يجد لكل فقرة من الفقرات السابقة، تشابها جوهريا والتي نلخصها كما يلي:

 

عيّن الله بنفسه الذبيح يسوع الطاهر الكامل، ليموت عوضا عن الخطاة، الذين عرفوا خطاياهم، واعترفوا بها، كنائبنا، الذي انتقلت إليه كل آثامنا، واحتمل كل قصاصنا، وجُلد في القدس أمام هيكل الله، وصلب خارج المدينة، وسالت دماؤه من جراحه المتعددة. توّسط لأجلنا، طالبا من الله غفران خطايانا، ومات في العزلة حيث "احترق" في غضب الله عوضا عنّا.

 

كان الرسول بولس يلخّص هذه التفاصيل المذكورة بجملة فريدة وكتب: " إنّ الله، جعل الذي لم يعرف خطيئة خطيئة لأجلنا، لنصير نحن برّ الله فيه" (كورنثوس الثانية5: 21). تعني كلمة " خطيئة " في هذه الاية تلخيص شرعي، لأجل العبارة " ذبيحة الخطيئة " فسيتضح أن المسيح الخالي من الخطيئة، أصبح ذبيحة الاثم لجميع التائبين المؤمنين به. لذلك يحسبهم الله أبرارا بنعمته. لم يصدر هذا البرّ من تلقاء أنفسهم، ولا يستمر فيهم مستقلين، بل يتحقق بارتباطهم الدائم مع يسوع ذبيحهم ونائبهم. لأجل موته النيابي وحده، نثبت متبررين بالارتباط  به.

 

تنكر بعض الاديان إمكانية النيابة في دينونة الله بواسطة إنسان أو حيوان مطلقا. والآية المختصة بهذا الرأي ترد خمس مرات في القرآن: " لا تزر الوازرة وزر أخرى " (الأنعام6: 164؛ الإسراء 17: 15؛ الفاتر35: 18؛ الزمر39: 7؛ النجم53: 38). يّدعي القرآن بهذه الآيات أنّه لا يحق للنائب أن يحمل أثقال الآخرين وخاصة في يوم الدين.

 

تصحّ هذه الآية إلى مدى بعيد، لأنه لا يحق لإنسان خاطئ، أن يكفّر عن خطايا الآخرين، فكل من يجد وزرا في نفسه، لا يستطيع أن يقف أمام الله، في سبيل الكفارة عن الآخرين. فكل مَن يستغفر ربه، لا يستطيع أن ينوب عن الخطاة الآخرين.

 

إنما القرآن يشهد بنفس الوقت بأنّ المسيح وُلد من دون خطيئة (آل عمران3: 36؛ مريم19: 19). كما أنه كان كلمة الله المتجسّد وروحا منه (آل عمران3: 45؛ النساء4: 171). لذلك كان يسوع معصوما من الخطيئة، واستحق وحده أن يشفَع عند الله لأتباعه، ويكفّر عنهم.

 

طلب يسوع من ربّه مائدة من السماء ليشبع بها تلاميذه الجائعين فاستجاب الله صلاته فورا (المائدة5 : 114-115).

أقام المسيح الأموات بإذن الله (آل عمران3: 49؛ المائدة5: 110). كان له ميثاق غليظ غير محدود مع الله القدير (الأحزاب33: 7). ليس هو ميتا كسائر الأنبياء، بل ارتفع إلى القدوس (آل عمران3: 55؛ النساء4: 158). إنه حي مع الله، ويتكلم معه، ويحقق كفارته أمامه (المائدة5: 116-118). 

 

وعندما مات ابن مريم فلم يمت بسبب خطاياه الخاصة، بل لأنه حمل ورفع خطايا العالم كله، ومات ذبيحا لأجلنا (مريم19: 33). " سلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ". لم يرفض القرآن في هذه الآية نيابة المسيح عنا، بل يثبتها ضمنا.

 

تضيف الرسالة إلى العبرانيين، بأن الذبائح في العهد القديم كانت ناقصة، ومؤقتة، وضعيفة. فوجدت في موت المسيح الكفاري اكتمالها (عبرانيين10: 1-14). لم يكن المسيح حَملَ الفصح وذبيحة العهد وذبيحة الإثم فقط، بل هو أيضا رئيس الكهنة الذي قدّم نفسه ذبيحة عوضاً عنّا وهو بنفس الوقت هيكل الله المكان الوحيد الذي تتم فيه المصالحة، لأن فيه حل كل ملء اللاهوت جسدياً فهو الهيكل ورئيس الكهنة والذبيح في آن واحد (عبرانيين9: 22).  لذلك نسجد له، ونشكر بواسطته الآب السماوي، لأن " الله كان في المسيح وصالح العالم بنفسه " (كورنثوس الثانية5: 18-21).

 

 
يوم الكفّارة العظيم

(اللاويين16: 1-34)

 

 ما كانت جميع الخطايا في شعب العهد القديم يكفّر عنها، بواسطة ذبائح الإثم. تراكمت خطايا مستترة، وغير مدركة عند الكبار والصغار مع الوقت، وحتى الكهنة تنجست سهوا، وأيضا المعبد بمذابحه وأوانيه، وحتى قدس الأقداس احتاج كل سنة تقديسا شاملا وكاملا، ومصالحة مع الله ( اللاويين16: 33-34).

 

عُيّن لتلك الكفّارة الشاملة اليوم العاشر من الشهر السابع، مع صوم 24 ساعة، كيوم ندامة، وتوبة الأمة، ومصالحة مع الله. ويمنع القيام بأي عمل في هذا السبت المقدّس. لأن فيه يتطهر الشعب كله، والمعبد من جميع خطاياهم وأخطائهم. ويتصالحون مجددا مع الله (اللاويين16: 29-36).

 

أولا كان على رئيس الكهنة أن يذبح لنفسه ثورا، كذبيحة الإثم، ويقدّم دمه مرة واحدة في كل سنة إلى قدس الأقداس. كان عليه في نفس الوقت أن يغطي تابوت العهد بكاروبيه المذّهبين بغيمة من البخور المحترق، لأن لا أحد يقدر أن يتقدم من الله بدون تغطية أو حماية. كان علي رئيس الكهنة أن يرش قليلا من دم الثور المذبوح بإصبعه على الغطاء الذهبي لتابوت العهد، ويرش بإصبعه من بقايا الدم سبع مرات على الأرض أمام تابوت العهد.

 

بهذه الطريقة يكون قد صالح نفسه، وعائلته، وكل الكهنة، واللاويين مع الله القدوس، ليستحقوا أن يستمروا في خدماتهم الكهنوتية. وقد مات اثنان من أبناء هارون سابقا، لأنهما دخلا قدس الأقداس بلا مبالاة، وبدون الوقار وخوف الله، ليخدما العلّي بقدرتهما الخاصة (اللاويين16: 1-2؛ 6، 11-14).

 

بعد أن تتم المصالحة بين الله وكل أعضاء الكهنوت كان على رئيس الكهنة أن يصالح المعبد وكل أوانيه، بواسطة ذبح تيس المصالحة. وكان على رئيس الكهنة أن يتصرف بنفس الطريقة التي فعلها مع الثور المذبوح. كان الدم من تيس المصالحة أن تكفّر أيضا عن الشعب كله، لأن الرب سكن في وسط هذه الأمة (الخروج25: 8؛ 29: 45؛ اللاويين26: 12؛2 كورنثوس 6: 16). ولاختيار تيس المصالحة يؤتى بتيسين بلا دنس، في هذا اليوم الكفاري، ويتم بالقرعة اختيار تيس للمصالحة مع الله، وأما التيس الأخر فكان لزاما عليه أن يحمل خطيئة الشعب إلى البرية.

 

ذكر تيس الخطيئة، في يوم الكفارة العظيم، كان لتوضيح ثقل خطايا الشعب كله على نائبه. كان على رئيس الكهنة أن يضع يديه على رأس التيس، ويعترف بجميع خطايا إسرائيل، وتجاوزهم، وينقلها بهذه الطريقة لتدخل تيس الخطيئة.

 

وكان هناك رجلٌ مكلف، أن يقود هذا التيس المشحون بآثام الأمة إلى البرية، لكي ترجع كل الشرور إلى عزازيل، رب الخطيئة ومصدر الشرور.

 

تغيّر تقديس الكهنة ومصالحة المعبد تغيراً جذرياً عندما اختفى تابوت العهد كعرش الله قبيل أو أثناء هدم الهيكل الأول 587 قبل المسيح. ففي الهيكل الثاني وفي الهيكل سليمان ظلّ قدس الأقداس فارغاً. لم يبق في هذه الغرفة شيئ إلا جرن توضع عليه مقلاة لحرق البخور.

يدخل رئيس الكهنة مرة واحدة في السنة لهذه الغرفة المظلمة الدامسة الممتلئة بالعدم ليصالح الشعب مع الله القدّوس.

أما يوم الكفارة العظيم في العهد الجديد فهو يوم الجمعة الحزينة حيث صالح المسيح العالم كلّه بالله.

 

تناقش الرسالة إلى العبرانيين أنظمة الكهنة والذبائح في العهد القديم ونبرز بعض النقاط الجوهرية في هذه النبذة:

 

1-   إعادة اليوم الكفاري العظيم سنوياً في العهد القديم يدل 

على عدم الديمومة والضعف في العهد القديم، فالمسيح قدّم

نفسه مرة واحدة وصالحنا بموته الكفاري إلى الأبد مع الله (عبرانيين 7: 22).

2-   إنّه من المستحيل أن يمحو دم التيوس والثيران خطايا

البشر أما المسيح الطاهر فبذل نفسه كأفضل ذبيحة لأجلنا، هو قدوس وتبقى ذبيحته قدوسة أيضاً وسارية المفعول إلى الأبد (عبرانيين4: 15؛ 7: 28).

3-   دخل يسوع إلى السموات وجلس مع أبيه في عرشه, قدم دم

ذبيحته لله القدوس شخصياً. وينوب عنا كرئيس الكهنة (عبرانيين 9: 23-26؛ 10: 11-14) وبقربان واحد قد أكمل إلى الأبد كل المقدسين، جميع المؤمنين بالمسيح يعيشون من قوة ذبيحته وبأمانة وسيطنا عند الله.

 

4- لقد انشق الحجاب أمام قدس الأقدس يوم موت يسوع فأصبح 

الباب للسماء مفتوحاً لنا على مصراعيه. فلكل مؤمن  بالمسيح امتياز عظيم أن يتقدّم إلى الأب على أساس ذبيحة المسيح. وما سمح به لرئيس الكهنة أن يقوم لمرة واحدة في السنة أصبح مسموحاً به كل ساعة باسم دم يسوع المسيح.

5-   لم نتطهر بذبيحة المسيح الفريدة فحسب بل هو يدعونا كهنة

ملوكية لنتوسط بصلواتنا أمام الله القدوس لأجل الناس الآخرين فجعلنا خدامه في المقدس أكثر من الكهنوت في العهد القديم (سفر الخروج 19: 6، بطرس الأولى 2: 9 ورؤيا يوحنا 5: 10).

 

الحيّة النحاسية

 

تتكلم كتب موسى عن قرابين متعددة وذبائح للحرق وتقدمات طعام وشراب وقرابين شكر، ذبائح يومية، ذبائح الإثم. أما يسوع المولود من الروح فلخص هذه الذبائح والأنظمة والقرابين في حياته وموته وأكملها بذاته. ولذلك يحق له أن يتكلم الآية الفاصلة من سفر هوشع: "إني أريد رحمة لا ذبيحة لأني لم آتي لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة " (متى 9: 13).

فبالنسبة لهذه الآية النقدية لأنظمة العهد القديم وافق يسوع على الكفارة عن الخطايا وعلى التطهير للضمائر، إنما أبرز الهدف والغاية من الذبائح وطلب تغيير التائبين إلى رحماء بواسطة بركة الذبائح وقوتها فبدون الرحمة لا تنفع الذبائح بل الذبائح تقودنا إلى الرحمة.

 

لم يستخدم يسوع في إنجيله توضيحاً لموته الكفاري وغايته الأنظمة من شريعة موسى للذبائح بل وضّح لنقوديموس النائب في أمته أن الله أرسل حيّات محرقة لشعبه المتمرد قصاصاً لعنادهم (العدد21: 4-9) إنما كل من نظر إلى الحية النحاسية التي رفعها موسى بأمر الله على قضيب لم يمت حتى ولو لدغته.

 

اختار المسيح الحيّة النحاسية رمز الشر والموت كأهم دلالة على موته الكفاري، كما نقرأ: " وكما رفع موسى الحيّة في البرية هكذا ينبغي أن يرفع إبن الإنسان " (يوحنا 3: 14-15). كيف تمكن يسوع أن يقارن نفسه بالحيّة النحاسية؟ هل كان خلاصة كل شر؟ كلاّ، لا يمكن. كان يسوع قدوساً وثبت طاهراً ولم يوافق على كذب وحيلة إبليس (متى 4: 1-11؛ 16: 23؛ 27: 41-45). إنما اجتذب المسيح خطايا كل الناس إلى قلبه الحنون وجعله الله خطيّة عوضاً عنا (2 كورنثوس 5: 21). فبدا لنا كأنّه الحيّة الملعونة (تكوين 3: 14) وإنما ثبت بلا خطية في محبته العظمى وحقه البلوري.

 

كلنا نشبه الذين لدغتهم الحيّة من جهنم ووافقنا على الكذب والبغضاء والكبرياء والأنانية والرياء والحساسية والنجاسة وألف خطيئة أخرى يعرفها البعض أو لا يعرفها البعض الأخر، نحمل كلنا السمّ الزعاف من تذمرنا ضد الله في قلوبنا ولا بّد أن نموت. أما يسوع فسمّى الشيطان " قتّالاً للناس منذ البدء" (يوحنا 8: 44) الذي يضل الجماهير بأكاذيبه البراقة ويحصدهم بعدئذ بواسطة عبده الموت.

 

أما يسوع فقال: " من ينظر إليَّ المرتفع على خشبة العار ويتحد معي في الإيمان فإلى هذا تجري حياتي الأبدية " التي هي الروح القدس ومحبة الله، فموت المسيح الكفاري لا يريد أن يطهرنا أو يبررنا فحسب بل يريد أن يغيرنا ويقدسنا ويجددنا فبدون موت المسيح الكفاري لا يحل الروح القدس فينا، فحياته الروحية هي البركة لموته الكفاري لكل الذين ينظرون إليه ويثقون به.

 

وضّح يسوع لنا برمز الحيّة النحاسية تطهيرنا الكامل وتبريرنا الشامل من كل خطايانا وكشف بالوقت نفسه السبب الشيطاني لفسادنا ولموتنا المرير وقدّم لنا فداءه لندخل إلى حرية أولاد الله. فلذبيحة المسيح الكفارية أهداف مختلفة، غفران خطايانا،  واستلام  موعد  الآب  حتى  تحل  فينا  حياته الأبدية ونعيش معه إلى الأبد ( يوحنا 14: 16-17). وكل مَن يسمع هذه البشارة ويؤمن بها يعيش إلى الأبد لتمجيد موت المسيح الكفاري.

 

نبوءة النبي داود عن آلام المسيح

 

من يقرأ المزمور 22 يجد فيه نبوّة مفصّلة التي توضح آلام المسيح وكفارته. كتب النبي داوود هذه الآيات قبل ألف سنة من مجيء المسيح فأقواله المستقبلية وتطبيقها بدقة ترينا الضرورة السرّية لخطط خلاص الله والإضطرار لموت المسيح الكفاري، فلا بدّ منه. قرر العليم منذ الأبد أن مسيحه يدخل العالم ويفديه بموته الفدائي من الغضب والدينونة.

نجد في هذا المزمور أكثر من عشرة دلائل على موت المسيح المرّ أثناء صلبه على الصليب. فكل مَن يريد يجد في هذه المقارنة واتمام النبوة عن صراع يسوع مع موته عوناً لمعرفة كفارة المسيح.

 

 

 

 

مزمور 22

متى 27

مرقس15

لوقا 23

يوحنا 19

العدد6:

أما أنا فدودة

لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر الشعب.

33:

41-44

29

36-37

-

العدد7 أ:

كل الذين يرونني يستهزئون بي.

33:

14-44

29

36-37

-

العدد7 ب:

يفغرون الشفاه وينغضون

الرأس.

39

29

-

-

العدد8:

اتكل على الرب فلينجه. لينقذه لأنه سُرَّ به.

43

-

-

-

العدد11:

لأنه لا معين

42

30-31

37

-

العدد15:

ولصق لساني بحنكي.

-

-

-

28

العدد16:

جماعة من الأشرار

اكتنفتني.

41-43

31-32

-

-

العدد16:

ثقبوا يدي ورجلي.

-

24

33

19: 18

20:20

العدد17:

ويتفرسون فيّ.

-

-

35

19:

20- 25

العدد 18 أ :

يقسمون ثيابي بينهم.

35

24

34

23

العدد18 ب:

على لباسي يقترعون.

35

24

-

24

العدد1:

إلهي! إلهي لماذا تركتني؟

46

31

-

-

 

 

 

يُعتقد أن يسوع عرف هذا المزمور غيباً وصلى آياته أثناء مصارعته مع الموت، فندرك في هذه الكلمات مدى الآلام الباطنية والنفسية في نائبنا أثناء كفارته عوضاً عنا.

-         كم تألمت نفس يسوع المحبة الحساسة؟ عندما لم يدرك شعبه بل استهزأوه جهراً وجدّفوا عليه ويعني الاستهزاء بعض المرات آلاماً أشد من الموت نفسه.

-         كيف تألم جسد المسيح في عاصفة الأوجاع وتمزّق تقريباً من نقل جسده؟ وهو معلّق على الصليب ولكن لم يتذمر حتى ولو بكلمة واحدة.

-         كم تألمت روحه؟ عندما تركه الله من أجل إدانة خطايانا. لا نقدر أن نستقصي مدى عمق صرخته: إلهي إلهي  لماذا تركتني؟ (مزمور22 عدد1).

-         يرى بعض المفسرين أنه مستحيل بأن الله ترك مسيحه الحبيب أما يسوع فلم يكذب بل صلّى: " قد تركتني". يرد المنطق، لو الله تركه ففي هذا أن يسوع قد أخطأ. أما الكتاب المقدس فيجيب. طبعاً البريء رفع خطايانا على كتفيه، فخطيئة العالم ضغطت على ذبيحنا، وجُعل عنا خطية، ولأجل خطايانا نحن تركه الله.

-         يحاول الآخرون أن يجدوا حلاً وسطاً فيقولون لقد حجب الآب السماوي وجهه عن ابنه المولود من الروح وظهر له دياناً لأجل خطايانا.

-         أما يسوع فشهد: " قد تركتني حقاً ". إنما صرخ قبل هذه الشهادة شاهداً ومصلياً: " إلهي، إلهي ". مثل يعقوب كان يصارع الله على نهر يبوك، هكذا في درجة عالية روحية صارع يسوع الله.

لم يكن يعقوب يسمح للرب بأن يتركه لأن ابن اسحق كان أثيماً جداً. إنما صرخ: " لا أطلقك إن لم تباركني ". فبإيمانه غلب يعقوب الدّيان ونال البركة  (سفر التكوين 32: 22).

وهكذا بالمعنى الروحي الأعلى لم يسمح يسوع لإلهه الآب الديّان أن يتركه فتمسك به رغم أن الله قد تركه. ولم يسمح أن يفارقه بالإيمان ودعاه: " إلهي أنت تبقى إلهي حتى ولو لم أرك بعد، ولا أطلقك إن لم تخلصهم ".

الإيمان في الابن بمحبة أبيه السماوي وأمانته تغلّب على الله الديان. هذه هي الغلبة التي تغلب العالم وتغلب حتى الله الديان ألا وهي إيماننا (يوحنا الأولى5: 4). لأجل إيمان يسوع خلصنا (يوحنا16: 33).

 

تلقى يعقوب بعد مصارعته الإيمانية مع الله القدير اسماً جديداً. وهو(إسرائيل). ويعني هذا الاسم: ( قد تصارع مع الله ونجح ). وهذا الاسم يلهمنا بأن يسوع هو الفائز وهو الوحيد الذي يستحق اسم إسرائيل. لقد تصارع مع الله لأجل خلاص البشرية الخاطىء ونجح لأجل إيمانه. تمسّك بالله في يأس البعد عنه وصلى مؤمناً في اللحظة الأخيرة من حياته: " يا أبتاه بين يديك استودع روحي "(لوقا 23: 46)، ورغم أنّه لم ير أباه فيما بعد وهو على الصليب.

من يدرس هذه النبوّات وإتمامها في العهد الجديد يستطيع الإدراك بأن العهد القديم  يحمل الجديد في ذاته.

 

 

عبد الله المتألم

 

إن أهم شهادة عن موت يسوع الكفاري في العهد القديم قد أعلن لأشعياء نبي الفداء (أشعياء53: 1-12) والآيات الأربع التالية هي اللب من الإصحاح كلّه. نقترح لقرائنا المحترمين أن يحفظوا هذه الآيات غيباً فينالوا قوة عظيمة لأنفسهم وتعزية أبدية وبصيرة معينة من إدراك كفارة المسيح.

والآيات الأربع: " لكنّ أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملَها ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبُحُبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا. مِلنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا " ( أشعياء53: 4-7).

 

عندما قرأ شاب طالب في الدار البيضاء هذه الآيات أمام رفاقه بوقار وسئل بعدها، ماذا يفكرّ عن هذا الرجل المذكور. فأجاب بعد لمحة تفكير. لو هذه القصة حقيقة لكان لهذا الرجل محبة عظيمة. إنّ هذه القصة حقيقية وحدثت حرفياً. وأدرك هذا الشاب لتوّه في الدار البيضاء جوهر الإنجيل.

 

يتكلم أشعياء في الإصحاح 53 عن عبد الرب الذي تألم كتائب عن شعبه الفاسد ومات في دينونة الله عنه. لخّص يسوع هذه الكلمات في شهادته " ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن الكثيرين " (متى20: 28) وأثبت بولس هذه الحقيقة مع العبارة عبد عن يسوع في شعاره  كقانون الإيمان في رسالته إلى أهل فيلبي (2: 7) حيث قال: " لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبدٍ صائر في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ".

 

 

وماذا يعلمنا أشعياء من الإصحاح 53؟

إن يسوع الذي اتّضع وتنازل عن حقوقه حاملاً أسقامنا وآثامنا وخطايانا وضلالنا وأنانيتنا واحتمل عوضاً عنا قصاصنا في دينونة الله. والرب نفسه وضع عليه إثم جميعنا. ضرب المسيح لأجلنا في دينونة الله واحتمل العذاب الأحمر والجراح وأخيراً أماتوه معلقاً بثقل جسده.

أما نحن فنلنا لأجل نيابته السلام مع الله وشفاء حُبُرنا. قد تمت كفارته وهو ضامن خلاصنا مانح لنا اليقين بتحريرنا وفدائنا، وسيكون لحمل الله المعذب أنسال كثيرة كعدد رمال الشواطئ ونجوم السماء. وتتحقق لأجله خطط خلاص الله حتى في أيامنا وهو مخلص لكثيرين وحتى الأقوياء يجثون أمامه معترفين بأنه: حمل الله الوديع.

 

هوذا حمل الله الرافع خطيّئة العالم

(يوحنا 1: 29)

 

كل الشهادات والأنظمة والنبوات السابقة يلخصها نداء يوحنا المعمدان على ضفة نهر الأردن. هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم.

كيف حصل يوحنا على هذه المعرفة المثيرة؟ أعلن له الله في البرية وحياً خاصاً وقال له: " الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمدّ بالروح القدس  " (يوحنا 1: 33).

حينئذٍ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليتعمد منه. ولكن يوحنا منعه قائلاً: " أنا محتاجٌ أن أعتمد منك، وأنت تأتي إلي! ‍"  فقال يسوع له: " اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل برّ.  حينئذٍ سمح له.  فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامةٍ وآتياً عليه "(متى3: 13- 16).

عندئذ أدرك يوحنا المعمدان أن ابن مريم البريء لم يتعمد لأجل خطاياه بل لرفع خطايا العالم على كتفيه واعتمد من أجلهم. وأدرك المعمدان بنفس الوقت أن المسيح لم يأتِ برفش لينقي بيدره ويفصل الحَب عن التبن ولم يأتِ بالفأس المرتفع ليقطع الأشجار التي لا تمر فيها، كلا إنه استعدَّ أن يحمل دينوناتنا عنّا.

 

لذلك انفتحت السموات ونزل روح الله بهيئة حمامة بيضاء واستقرّت عليه، قوّاه الله بروحه القدوس لأنه قبل دعوته كنائب البشرية في دينونة الله واستعدّ أن يكفّر عن ظلماتهم وبنفس الوقت فوضّه الله ليعمد بالروح القدس كل الذين يتوبون عن خطاياهم ويضعون أنفسهم تحت كفارته.

 

تبلبلت أفكار يوحنا المعمدان. كان يبشر بالعكس من ذلك من أنّ المسيح يأتي للدينونة ويدين العالم الفاسد أما الآن فرأى أن المولود من روح الله لم يدن الخطاة بل قاصص نفسه عوضاً عنهم، عندئذ أدرك يوحنا المعمدان بسرعة البرق، هذا هو المسيح النائب عن الكل في دينونة الله فتمتم مؤمناً، هوذا حمل الله الرافع خطايا العالم.

 

كل من يثق بحمل الله يمسحه بروحه القدوس الذي هو الحياة الأبدية في البر والمحبة والحق. وموهبة الروح القدس هي ثمرة كفارة يسوع المسيح المعدّة لكل من يثق فيه ويشكره. آمين.