في أعماق السجون

 

 

 

 

 

 

قصة واقعية

اعترافات ويوميات سجين ياباني

ترجمتها السيدة مكدونالد عن اليابانية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نقلها إلى العربية

حبيب سعيد

 

تقديم الكتاب

 

منذ سنوات، وفوق ظهر الباخرة الجبارة »إمبراطورة روسيا« كنت ترى جمعاً خليطاً من إنكليز  وأمريكيين وشرقيين، جمعتهم هذه الباخرة مدة عشرة أيام ليتفرقوا فيما بعد في بلدان الشرق الأقصى-اليابان والصين والملايو والفيلبين والهند. وقد هبت رياح الشمال باردة، وظهرت من بعيد جزر الوشيان بقممها البركانية المكسوة بالثلوج البيضاء، منظمة كحبات من الخرز  في قلادة تطوق جيد المنطقة المتجمدة الشمالية. ومن ثمَّ انهمك ركاب السفينة في مشاغلهم داخل أبواب مغلقة، كلّ حسب هواه. وقد التفَّ نفر من الركاب حول سيدة يجري في عروقها الدم الأسكتلندي الكندي، ليستمعوا إليها وهي تروي أغرب قصة في العالم. وهي القصة التي يحويها هذا الكتاب.

 

والسيدة تدعى كارولين مكدونالد، وهي تؤدي خدمات فريدة من نوعها في سجون اليابان. وقد روت القصة العجيبة التي نودعها دفتي هذا الكتاب، وفيها بعض السحر الذي تراه في قصص ألف ليلة وليلة، وبعض الشرّ العاري الذي تجده في القصص المخيفة للشاعر الأمريكي »بو«. إنما فيها أيضاً نموذج للإلهام الذي يصدر عن يسوع المسيح حين يستميل إليه الضالين المارقين. فإنك ترى، وأنت تقرأ القصة، حناناً منقطع النظير ينبعث من عينيه المشفقتين، وقوة قاهرة تخرج من أكرم يدين امتدتا لانتشال نفس ضالة من وهدة الشقاء إلى رحبة السلام.

 

وقد وضع الكتاب أصلاً باللغة اليابانية، ثم ترجم إلى اللغة الإنكليزية، وجعل عنوانه

»A Gentleman in Prison«

 

وذلك لأن بطله »إيشي« الياباني كان أرستقراطياً نبيلاً فيما للّه. فحتى في أيام انحطاطه وشقوته تلمح فيه تلك النفس الكبيرة الكريمة، وتلك الروح الناشطة الوثابة، وتلك الأنفة المعتزة النبيلة التي تأبى قبول الفضل والإحسان. وهو متوتر الأعصاب، سريع التأثر، يستجيب في إحساس مرهف إلى المكرمة وإلى الإساءة على حدّ سواء.

 

على هذه الآلة الدقيقة تلعب الحياة دورها بموسيقى عنيفة، وتشد الأوتار شدّاً قوياً، فيصطخب اللحن ويضطرب الصوت، ونرانا هنا أمام رجلين يحتدم بينهما نزاع دموي مريررجل شرير أوغل في الانتقام والأخذ بالثأر، ورجل طيب نبيل بفطرته، يستطيع أن يتبين العدل والحق في قضيته وقضايا الآخرين، ويجزم بأن العالم لا بد له من قانون يسوسه، وأن كل خارج على القانون لا مكان له تحت الشمس. والرجل النبيل لا يبقى في السجن طويلاً، فهو لا بد واجد مخرجاً إما داخل أبواب السجن أو خارجه، وفي إمكانه أن يجعل من جدران الحجر، ومن قضبان الحديد، منسكاً تخلو فيه النفس إلى ربها، بينما ينظر إليها الآخرون قفصاً تنقبض له الأسارير ويضيق به الصدر. وبطريقة عجيبة جعل »إيشي« من سجنه صومعة الناسك المتعبد، فسمت نفسه إلى آفاق عليا من الخيال الروحي في رحابة الحرية التي لا يتذوقها إلا الأحرار في اللّه.

 

وفي هذا الكتاب يجد القارئ الكريم بعض المصطلحات الغريبة التي تفصح في ومضات خاطفة عن بعض الصور والأشباح التي يحفل بها العقل الياباني. فحين يقرأ إيشي العبارة التي جذبته إلى الخلاص، يُطعن في قلبه »كما بمسمار طوله خمس بوصات«. وفي صدد التحدث عن تأففه وتضجره من الطعام، يقول إنه لم يكن قد فهم بعد أن »كل الأطعمة سواء بعد أن تنحدر من الحلق إلى أسفل بمقدار ثلاث بوصات«.

 

وبطل القصة شغوف بتأويل الأشياء تأويلاً أدبياً أخلاقياً. فما تقع عينه على حمام السجن، وما يبصر الجنود يتدربون على ركوب الدراجات، حتى يتلمع ذهنه بتشبيه أو رمز  كتابي أخلق به يوحنا »بنيان« وكارل. وهو يستخرج العبر الأخلاقية من نفسه وحياته، ويجعل سلطان الدولة فوق حقوق الفرد وذاته. وهو يفعل هذا بنغمات هادئة رزينة خالية من الغرض منزهة عن الذات، وفي مذكراته يبدو كأنه يسابق الزمن قبل أن يعلّق في عنقه حبل المشنقة. وأنك لواجد فيها كثيراً من الآراء عن إصلاح السجون، ووصفاً للعيوب التي أحسَّ بها في سجنه. وليس شيء أعظم من أن يضيف إلى كتابه-وهو بمثابة اعترافات روحية على سرير الموت-ملحقاً يلقن فيه رجال الشرطة اليابانيين دروساً في القبض على المجرمين الفارين من وجه العدالة.

 

وفي هذا الكتاب لذة وشوق للباحثين في أدب اللغة وأسلوب الكتابة. فلم يكن يعرف »إيشي« شيئاً من فن التأليف والكتابة، وأعوزه الوقت للإعراب عن نفسه بعبارات منسجمة. على أن جهله في هذا المضمار قد خلع على كتابه مسحة أدبية محببة. فعباراته المفككة، ووقفاته المبتورة غير المحكمة، تزين الكتاب كله ببساطة فريدة من نوعها. فليس هناك تفكير سابق، ولا إجهاد ذهني على نحو ما يفعل المثقفون، وإنما يتميز  الكتاب بإخلاص رجل غير متعلم سكب نفسه وأسالها مداداً على القرطاس. والقصة خلو من الغرور أو الاعتداد بالذات، ولكنه يطلعك صفحة بعد أخرى على سخائم نفسه البشعة، وعلى جمالها الرقيق الوديع، فتحس كأنك تستمع إلى رغاء طفل، كان في جهنم وهو الآن يطلُّ من خلال شقٍّ فتح له على مباهج المدينة السماوية الباهرة.

 

ولعل أبرز  مظهر في الكتاب ما حوى من دراسة في علم النفس. ولو أن الأستاذ وليم جيمس العالم النفساني ظفر به يوماً، لاتخذه مادة للدرس والبحث، ولذاعت شهرته في الآفاق. وعلم النفس في السجن مادة شائقة، وخاصة لأنها تحلل هنا نفسية تتطاحن فيها بواعث متناقضة في قلب مجرم شاذ غريب. وهو نفسه يقف موقف العالم النفساني المملوء بالفضول وحب الاستطلاع حول شخصه، والحائر في تعليل الشهوات الجامحة في نفسه الذاهلة. وفي أسوأ حالاته يحتفظ بكبرياء الرجل النبيل وكرامته، وفي أفضل حالاته يصرُّ على أن يموت لينقذ إنساناً بريئاً. وهو قاسٍ كالنمر، ومع ذلك يستجيب إلى أية بادرة من بوادر الإشفاق والعطف كطفل صغير وديع. وفي وسط حياة غارقة في لجة الرذائل يأتي بين الفينة والفينة أعمالاً يحسده عليها كثيرون من المختارين.

 

وهو لم يأخذ نصيباً وافراً من دراسة الآداب الدينية، وطبيعي أن تصطبغ آراؤه بالمثل اليابانية العليا القديمة، ففي قصة الفرسان الأحرار السبعة والأربعين يفترض جدلاً أنهم كانوا ينتحرون على طريقة الهاريكاري كرجال كرام، لو أن الكاهن قام بواجبه وحصل على العفو عنهم. ومع ذلك فقد شملت آراؤه الدينية بعض المبادئ المسيحية الأصيلة التي تستحث إيمان القديسين. فهو مثل بولس مقتنع بأنه أشر الخطاة، ويصرح أن أحداً لم ينحدر في الخسة والدناءة إلى الدرك الذي تسفَّل هو إليه. ولكنه يؤمن في جزم ويقين بأنه قد افتُدي، والخلود عنده أكثر يقينية من الزمن. وقد كان إيمانه في عقيدة الخلود مطلقاً بحيث يدهشنا أن نراه يُشغل بتهذيب عقله في خلال الأيام القليلة الباقية من حياته، لكي يكون أكثر أهلية من الناحية العقلية في حياته الجديدة في السماء عندما تدنو ساعته. أما نظرته إلى النهاية فمشبعة بفرحة الهيام والتهليل التي نراها بين المسيحيين الأولين في عهد الضطهاد الدموي. وقلبه فياض دائماً بالشكر للّه على النعم التي أضفاها عليه.

 

ويقال أحيانا إن الشرق شرق والغرب غرب، وأن ثمة صعوبات تحول دون التفاهم المتبادل بين الشرق والغرب. فالآراء مختلفة، والحياة مختلفة، والعادات والتاريخ يختلفان. وكأنما نقف أمام عقبة كأداء. وقد يقال إن المثقفين أقدر على التفاهم والتقارب في الفكر ووجهة النظر، أما عامة الشعوب فتكاد تكون في حالة ميئوس منها. على أن قصة هذا السجين تقدم لنا مثالاً ينقض هذه المزاعم. فها هنا إنسان، غير مثقف غارق في الجريمة، محكوم عليه بالموت لارتكابه جريمة القتل، يترقب كل يوم مصيره المحتوم الذي ساقته إليه جرائمه، هذا الإنسان تلمسه يد امرأة أجنبية عنه، تباعد بينها وبينه التقاليد والتاريخ والثقافة تباعد النهار عن الليل، لكن رسالة محبة اللّه الجامعة تلمع كالبرق في ظلمات الفوارق البشرية، فتستجيب نفس هذا الإنسان إلى نداء المحبة. وتثبت هذه القصة المأخوذة من وقائع الحياة، أننا على الرغم من الفوارق الظاهرية التي تفصلنا، واحد في أعماق الألم والحزن والخطية، وأننا واحد في ذرى المحبة والعطف واللّه.

 

أما القضية ذاتها فكانت غريبة حقاً في كل ملابساتها، وقيل إنها أغرب القضايا التي عرضت على المحاكم اليابانية:

 

قُتلت فتاة يابانية على مقربة من طوكيو واتهم عشيقها بقتلها فأُلقي القبض عليه، واعترف بارتكابه الجريمة أمام البوليس، ولكنه أنكرها في المحاكمة العامة مدعياً أن البوليس انتزع منه اعترافه بوسائل الإكراه والتعذيب. وكانت هناك أدلة قوية ضده لأنه كان آخر من شوهد مع الفتاة قبل قتلها، وكان المعروف أنهما تشاجرا وتشاحنا. فثبتت إدانته وحكم عليه بالإعدام.

 

على أنه قبل تنفيذ الحكم ألقي القبض على مجرم شقي يدعى »إيشي« لارتكابه جريمة صغرى في طوكيو وأودع السجن. وكان معه في الخلية زملاء من المسجونين يتحدثون عن الجرائم في طوكيو، فاسترق »إيشي« السمع وإذا بهم يقولون أن مجرماً اتهم بقتل فتاة في أوهارو وحكم عليه بالموت. وفوراً هبّ إيشي واعترف بأنه هو القاتل وليس الرجل الذي حكم عليه. وقد أثار هذا الاعتراف ضجة كبرى في دوائر السجن. وبدأ التحقيق من جديد في القضية. على أن المحكمة لم تجد أي دليل يثبت علاقة إيشي بالجريمة، وبرأته على الرغم من اعترافه. ولكن النائب العام استأنف الحكم، وأعيدت القضية إلى محكمة الاستئناف.

وطالت المحاكمة وتشعبت القضية واكتسبت شهرة واسعة، فامتلأت أعمدة الصحف بتفاصيلها وملابساتها الغريبة وظروفها المدهشة. فها هوذا رجل يعترف بارتكاب الجريمة، ثم ينكر، ولكن يحكم عليه بالموت لثبوت إدانته بأدلة واقعية. ثم يظهر على مسرح القضية رجل آخر، يعترف بارتكابه الجريمة عينها، ولكن يصدر فيه حكم البراءة على الرغم من اعترافه. على أنه أثناء نظر القضية في الاستئناف ظهر دليل جديد أثبت اعتراف إيشي بكل تفاصيله وحكم عليه بالموت. وبذلك أمكنه-على حد قوله في كتاباته-أن يكفر بعض التكفير عن ذنوبه، وفي الوقت نفسه ينقذ رجلاً بريئاً من براثن الموت.

 

وكان »إيشي« في السابعة والأربعين من عمره، لم ينل قسطاً من التعليم. ولكنه ذو عقل راجح وذهن صاف. عاش في الجريمة كما يتبين من قصة حياته، ولكن مع الوصمات المشينة التي علقت به، كان في أثناء محاكمته ثابت الجنان رقيق الوجدان.

 

وفي خلال أيام الانتظار التي سبقت تنفيذ الحكم فيه، تناول قلماً ليشرح الظروف التي أدت به إلى الجريمة، وقصة توبته وندامته. وظل يعمل ليل نهار حتى فرغ من مهمته لأنه لم يكن يعلم متى