تُوبُوا

لأَنَّهُ قَد اقْتَرَبَ

مَلَكُوتُ السَّمَاوَات

(متى 4: 17)

 

 

 

تأملات في إنجيل المسيح

حسب البشير متى

 

 

 

 

 

عبد المسيح وزملاؤه

 

 

 

 

 

الحياة الفُضلى – بيروت – لبنان

 

 

 

 

لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ

يَحْيَا الإِنْسَانُ،

بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ

تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللّهِ

)متى4:4(

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة

لمركز الدراسة: الحياة الفضلى

الطبعة الأولى:2001

مزرعة يشوع – ص ب 226 المتن – لبنان.

 

 

 

 @تعمّق معنا في دراسة الكتاب المقدس وتفسره @

 

 

نقدم لك، بعون الرب، تأملات في إنجيل المسيح حسب البشير متى، وتظهر فيه أهم المبادئ لتفسير هذا الإنجيل الأول، مع البنود الأساسية لشريعة المسيح.

 

نقصد من هذه التفسيرات أن تدرك الأسس في تعاليم المسيح، وتتعمق في حقوق شرعيته كما نتمنى ثباتك التعبدي وتعلقك بالمنجي المخلص، من خلال دعواته للتوبة والإيمان والمحبة.

 

ستجد في نهاية التأملات، صلوات نموذجية، فحاول أن تصليها معنا وتتممها من خلال إضافة كلمات مناسبة من عندك، وذلك حسب احتياجاتك الخاصة بإرشاد الروح القدس، لتتقرب وترتبط براعيك الصالح.

 في نهاية التأملات والأدعية، ستجد أسئلة، تساعدك وتشجعك على التعمق أكثر في كلمة الله المقدّمة لك. إن أجبت على 90 % من هذه الأسئلة، بإيجاز، وأرسلت لنا مجموعة أجوبتك من الكتاب كله عن طريق البريد العادي، فلا تنس ذكر إسمك وعنوانك الكاملين، كما يمكنك إرسال أجوبتك عن طريق البريد الإلكتروني ، فسنرسل لك:

شهادة النّضوج في دراسَة إنجِيل المسِيح

حسَب البَشِير مَتى

 

مع جائزة قيمة، عبارة عن كتاب مفيد، يعينك على معرفة الكتاب المقدس، ولتقديم بشرى الخلاص للذين لم يتعرفوا بعد على المسيح الحي.

إن كانت عندك أسئلة حول الإيمان، أو عن الإنجيل، فنرجو كتابتها على ورقة مستقلّة، وارسلها لنا، مع ذكر إسمك وعنوانك الكاملين.

نصلي لأجلك، حتى يباركك الرب ويحرسك، ليضيء الرب بوجهه عليك، ويمنحك سلاماً.

 

مركز الدراسة: الحياة الفُضلى، مزرعة يشوع المتن. ص ب 226 – لبنان.

   E-mail: alhayatalfoudla@yahoo.com

 

 

 

 

طُوبَى

للْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ

إِلَى الْبِرِّ،

لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ

(متى 5: 6)

 

 

 

 

 

 

فهرس الكتاب

حسب التسلسل التاريخي

 

التمهيد:

:

كتابة إنجيل المسيح حسب البشير متى

7

 

 

:

التمهيد

 

الجزء الأول

:

فترة قبل خدمة المسيح

( 1:1 –4: 25)

                             

11

 

 

:

الجزء الأول

الجزء الثاني

:

خدمات المسيح في الجليل والمناطق المجاورة

( 5: 1 – 18: 35)

 

91

 

 

:

الجزء الثاني 

الجزء الثالث

:

خدمات يسوع في وادي الأردن أثناء سفره إلى أورشليم

(19: 1 – 20: 34)

353

 

 

:

الجزء الثالث 

الجزء الرابع

:

خدمات يسوع الأخيرة في أورشليم

21: 1- 25: 46

383

 

 

 

 

:

الجزء الرابع 

الجزء الخامس

:

آلام يسوع وموته على الصليب

( 26: 1 – 27: 66)

                   

481

 

 

:

الجزء الخامس 

الجزء السادس

:

قيامة يسوع من بين الأموات والمأمورية العظمى

( 28: 1-20)

 

535

 

 

 

 

الجزء السابع

:

المرشد إلى شريعة المسيح حسب البشير متى

557

 

 

 

 

 

 

 

 

تَعَالَوا إِلَيَّ

يَاجَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ

وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ،

وَأَنَا أُرِيحُكُمْ

 

 

 

 

 

التمهيد

كتابة إنجيل المسيح حسب البشير متى

 

لحياة المسيح وأقواله وموته وقيامته شهود عيان كثيرون. نعلم من شهادتهم أن المسيح لم يكتب كتباً، رغم أنه كان قادراً على الكتابة باللغة العبرية. إنه كلمة الله المتجسد، إذ عاش ماقاله، فسيرته وسنَّته يشكلان ويكونان الإنجيل المفتوح لكل من يحب الحق. ليس كلام  المسيح تعليماً وحسب، بل هو قوة الله البناءة. إن كلمة إنجيل تعني بشرى معزية، لأنه يقدم لنا غنى لطف الله ونعمته في المسيح يسوع.

الأناجيل الأربعة

إن كلمة "إنجيل" مأخوذة من الكلمة اليونانية "إوانجليون" ومعناها "بشارة" أو "خبر طيب". فالإنجيل إعلان الأخبار المفرحة عن الخلاص. وتستخدم الكلمة أحياناً للدلالة على قصة حياة ربنا يسوع المسيح ( مرقس1:1) بما في ذلك كل تعاليمه ( أعمال 20: 24).

وكلمة إنجيل الآن، تعني في المقام الأول، الرسالة التي تكرز بها المسيحية، فهي "الخبر الطيب". إن الإنجيل عطية من الله. إنه إعلان غفران الخطايا واسترداد البنوة لله بواسطة المسيح .

 

وضع روح الرب بين أيدينا أربعة كتب عن سيرة المسيح، إذ أوحى بها لكُتَّابه البشيرين متى ومرقس ولوقا ويوحنا.  اثنان منهم كانا من تلاميذ المسيح المقربين له، واثنان من مرافقي رسله، وهذان استقيا الأخبار من الرسل بدقَّة. حين نتأمل الأناجيل نرى أن الثلاثة الأولى تتشابه كثيراً، حتى أنها في بعض الأحيان تظهر العبارة نفسها في كلٍّ منها، رغم أن كلاً يذكر أخباراً خاصة مميزة عن حياة المسيح، لم يذكرها غيره. فلكل إنجيل ميزة خاصة به.

من هو متى؟

 متى هو أحد رسل يسوع المسيح الإثنى عشر ( مت10: 1-4 ) وهو من منطقة الجليل        (أع 2: 7) إسمه الأصلي "لاوي بن حلفي" ( مر2: 14؛ لو5: 29). وكلمة "متى" معناها " عطية الله". والضيافة الكبيرة التي صنعها متى في بيته ليسوع، ودعا إليها جمعاً من عشارين وآخرين، كانت بمناسبة دعوة الرب له وفرحاً بها. لكنه لتواضعه لم يعلق عليها.

 

كانت مهنة متى في أول الأمر عشاراً، أي أنه كان يجمع الجزية للدولة الرومانية. لذلك كان هو وأمثاله من العشارين منبوذين ومحتقرين من اليهود الذين كانوا يعتبرونهم غير مستحقين للجنسية اليهودية. وطالما اقترنت أسماؤهم بالخطاة الوثنيين (متى 9: 10-11، 18: 17). كثيراً ما تذمر الفريسيون من الرب لقبوله العشارين ودخوله لبيوتهم (لو5: 30، 15: 51، 19: 7). لكن نعمة الله هي للجميع بدون استثناء، وهي قادرة أن تخلص أشر الخطاة. لقد دعت متى من مكان الجباية للرومان، ليكون رسولا للرب يسوع المسيح. وبعد أن كان نكبة على اليهود بجبايته كعشار، جعلته نعمة الله "عطية منه" لهم بإنجيله كبشير. لذلك لم يخجل أن يسمي نفسه "متى العشار"    (متى10: 3).

ميزة الإنجيل حسب البشير متى

 

تبرز في الإنجيل حسب متى دعوة المسيح للمساكين والثقيلي الأحمال (أصحاح 11) وبعض الأمثال عن نمو ملكوت الله (أصحاح 13) ومثَل العبد الشرير والفعَلة المتأخرين في الكرم (أصحاح 20) وَمثَل العذارى  العشر الحكيمات والجاهلات، ووصف الدينونة الأخيرة (أصحاح 25).

 

الإنجيل الأصلي الآرامي

 

تشترك الأناجيل الثلاثة الأولى في سرد مجموعة من الأخبار المختارة عن حياة المسيح وأقواله. إذ يتضح أنه قبل كتابة الأناجيل الثلاثة باللغة اليونانية، جَمَع الرسل ودونوا ما حدث في حياة المسيح وما قاله باللغة الأرامية، التي كانت الأساس لكل البشيرين في كتابة أناجيلهم (أعمال الرسل 2:42، لوقا 1:1-4 ، يوحنا 20:30).

 

من كتب إنجيل متى؟

كان متى، كاتب الإنجيل الأول والأطول، رئيساً للجباية، محتقراً من الشعب لأنه موظف ماهر للدولة المستعمِرة. واسمه الأصلي لاوي (مرقس 2:14 ،لوقا 5:27). لكن المسيح اعطاه اسماً جديداً  «متى» أي "عطية الله".

نجد أقدم شهادة عن إنجيل متى عند شيخ الكنيسة بابيوس، إذ نقرأ في سجلاته أن متى جمع أقوال الرب أولاً  باللغة الآرامية. ونجد مصداقية ذلك في الكلمات المتعددة التي كُتبت بلفظها الأرامي في الإنجيل، مثل رقا (أي رأس فارغ) ومامون (أي مال). فالأرجح أن الرسل فوَّضوا متَّى، وهو أمهرهم باللغات ليجمع أقوال المسيح ويترجمها تحت إشرافهم إلى اللغة اليونانية.

 

كما أن الأدلة الداخلية في الإنجيل نفسه ترجح أن يكون الكاتب متى العشار. فهذا الإنجيل يحوي إشارات إلى العملات المختلفة أكثر من أي إنجيل آخر. في الواقع إنه يشير إلى ثلاث وحدات نقدية لا توجد في أي مكان آخر من العهد الجديد. وهكذا فإن إنجيل متى يتفرد بالإشارة إلى " الدرهمين "    ( متى 17: 24) و" الإستار" ( متى17: 27) و" الوزنة" (متى18: 24). وبالتالي يتضح أن كاتب الإنجيل كان ملماً بأنواع العملات المختلفة ويهتم بتحديد هويتها وقيمها للأتباع. جدير بالذكر أيضا أن هذا الإنجيل يشير في عداد تلاميذ المسيح إلى "متى العشار" علامة على تواضع الرسول متى، بينما يذكر مرقس ولوقا في عداد تلاميذ المسيح "متى" دون ذكر لصفة الإذلال " عشار". يظهر هذا التواضع عند الرسول متى أيضاً لعدم ذكر تفاصيل معينة ترفع من شأنه. فهو لا يذكر أن الوليمة التي صنعها ليسوع كانت من تدبيره وفي بيته لكنه يكتفي بذكر " في البيت" (متى 9: 9-10) بينما يوضح لنا لوقا (لو5: 29) بأن متى صنع للمسيح "ضيافة كبيرة". لا يذكر متى في إنجيله قصة زكا وقصة الفريسي والعشار (لو18: 9-14؛ 19: 1-10) ربما لأن كلا القصتين تحويان مدحاً ضمنياً لإيمان العشار.

 

خطابات يسوع الستة

 

تنقسم أقوال المسيح في إنجيل متى إلى ستة أجزاء شاملة متتابعة بنظام معيَّن، لا تحوي أفكاراً مكررة. لقد اتَّبع متى تعليم معلِّمه خطوة خطوة، وأبرز أولاً دستور ملكوت السماوات (الأصحاحات 5-7) ثم أعقبه بالأوامر لنشر ملكوت السماوات (أصحاح 10) ثم أسرار نموّه (أصحاح 13) ثم تنظيمه الداخلي (أصحاح 18) ثم الويلات على أعداء ملكوته ( أصحاح 23) وأخيراً ظهوره في مجيء مَلِكه (أصحاحان 24 ، 25). فَذِكْر أقوال يسوع هذه أثمن كنـز في إنجيل متى التي تستحق الدراسة والتعمق.

الغاية من إنجيل متى

 

نجد اتجاهاً خاصاً عند البشير متى لإبراز تفاصيل سُنَّة المسيح، لأنه يبرهن لليهود أن يسوع الناصري هو المسيح الحقيقي  الموعود، ابن داود وابن ابراهيم. وقد استخلص متى، أكثر من كل البشيرين الآخرين، آيات من العهد القديم ليؤكد أن يسوع هو المسيح الملك الالهي، الذي به تمَّت وعود الوحي. لذلك أصبح إنجيله أفضل الأسفار لتأسيس وتثبيت المؤمنين بتعمُّقهم في تعليم المسيح، وهو في نفس الوقت صالح لتبشير أولاد إبراهيم وجذبهم إلى مخلّصهم الذي احتمل عنهم دينونة الله.

 

هذان القَصْدان-التبشير والتعليم-هما مترابطان في إنجيل متى بطريقة عجيبة، وضعت هذا السفر في الموقع الأول من العهد الجديد، لتمجيد يسوع مسيحاً لله.

 

 

تاريخ كتابة الإنجيل حسب متى

 

كُتب هذا الإنجيل الفريد حوالي سنة 58 للمسيح، أي بعد 25 سنة تقريباً من صَلبه. ويجمع العلماء أنه كُتب قبل خراب أورشليم سنة 70م. إذ ليس من إشارة فيه إلى خراب الهيكل أو أورشليم بل على العكس فإن النبوات التي فيه تشير إلى توقع حصول هذا الحدث في المستقبل ( راجع 23: 37-38؛ 24: 1-2). إضافة إلى ذلك يسجل الرسول متى تحذيرات كثيرة في إنجيله ضد الصدوقيين الذين فقدوا مركزهم في السلطة بعد دمار أورشليم.

 وإننا نجد فيه أقوالاً صادقة عن أعمال وأقوال سيدنا يسوع المسيح الذي يدعونا إلى اتِّباعه كما دعا متى نفسه.

 

 

الأسئلة: 1- من هو متى، وكيف عرَّف عن نفسه؟   

2- ماهي ميزات الإنجيل حسب متى؟

 

3-  ماهي غاية الإنجيل حسب متى؟

 

 

 

 

 

 

الجزء الأول

الفترة التمهيدية لخدمة المسيح

( 1:1- 4: 25)

 

 

12

1: 1- 2: 23  

1 ولادة يسوع وطفولته

 

12

1:1 – 17

نسب يسوع   

27

1: 18 25

 ولادة يسوع وتسميته 

36

2: 1- 11

 سجود المجوس

46

2: 12- 23

 محاولة هيرودس قتل يسوع   

 

52

3: 1-4: 11

2 - يوحنا المعمدان يعد الطريق للمسيح    

 

52

3: 1-12

 النداء للتوبة  

63

3: 13- 15

 معمودية المسيح      

65

3: 16 ، 17

 إعلان وحدة الثالوث الأقدس 

68

4 :1-11

 تجربة يسوع من إبليس وانتصاره     

 

77

4: 12-25

3- مبادئ خدمة المسيح في الجليل

 

77

4: 12-17

المسيح يختار كفرناحوم مسكناً له

81

4: 18-22

المسيح يدعو أول أخوين للتلمذة

85

4: 23-25

وصف بـهي لخدمة المخلص

 

 

مسابقة الجزء الأول

88

 

1 - ولادة يسوع وطفولته

(1:1- 2: 23 )

 

نَسَب يسوع

 (1:1-17)

 

1: ( 1 ) كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ

 

تعتمد أكثرية الأديان على كتبها المقدسة. لكننا نحن المسيحيين لا نعبد كتباً، إنما نتعلق ونؤمن بشخص فريد، هو كلمة الله المتجسّد. لم يكتب البشير متى كتاباً من نسيج الخيال على نمط الروائيين، ولم يُمْلِ عليه روح غريب مُثُلاً عليا، ولم يسمع صوتاً خارقاً في غيبوبة، لكنه وصف حياة وكلمات يسوع الناصري، الذي أحبه حباً جماً، وأكرمه وتبعه بإيمان عميق. فكتابه شهادة عيان لشخص تاريخي وحوادث واقعية، قدم فيه يسوع ملكاً ومسيحاً ورباً مخلّصاً لنا.

 

إن كلمة «ميلاد» المذكورة في أول إنجيله، تعني في اللغة اليونانية: المصدر، الصيرورة، المجيء والتطور في مسيرة الحياة. فلم تكن ولادة يسوع على الأرض بداية وجوده، لأنه موجود منذ الأزل. فكيانه لا تحدُّه الولادة والموت. هو حي لأنه روح الله، ومجيد، وأبدي عند الله. إنه الرب بالذات.

كان ليسوع الناصري أسماء مختلفة، سمَّى نفسه ابن الانسان، ونور العالم، وخبز الله الواهب حياة للعالم. وأعداؤه سمُّوه باحتقار «ابن مريم» الذي لا أب له. أما تلاميذه فأكرموه بلقب «المعلم». لكن اسمه الأصلي هو يشوع، الذي نلفظه في العربية «يسوع». فمن هذا الاسم الفريد ترتجف الشياطين وتنتعش الملائكة. وفيه غاية وقصد مشيئة الله. كما أن قوة سلطان السموات كلها تعمل في هذه الأحرف. فنبدأ تفسيرنا المتواضع ليس بأسمائنا الخاصة، بل باسم الرب يسوع، الذي هو روح الله المتجسد.

وردت كلمة "يسوع" 950 مرة في الكتاب المقدس باللغة العربية، وهذا يدل على أنه أهم إسم من أسمائه الأخرى.

أيها الرب يسوع، أنت الأزلي الحي. وقد تجسَّدْتَ لنرى في حياتك سلطان الله، وننال بكلماتك قوة الروح  القدس. اغفر جهلنا وعدم قدرتنا، وأنِرْنا لندرك جوهرك، ونؤمن بك، ونتبعك، ونكرم اسمك المقدس "يسوع"، بشهادتنا وأعمالنا وشكرنا.

الصلاة:

 

السؤال4 : لماذا لا يرتبط المسيحي بكتاب معين، بل متعلق بشخص يسوع؟

 

1: ( 1 ) . . .  يَسُوعَ المَسِيحِ

 

في زمن يسوع كان اليهود لا يزالون يترقبون بلهفة مجيء المسيح الموعود، منذ ألف سنة. لقد وعد الله الآباء والملوك والأنبياء من قبل، أن يقيم رجلاً من أمّتهم، يكون ملكاً عظيماً في شعب العهد القديم. وهو يكون من طبيعة إلهية، إضافة إلى كيانه البشري. ممتلئ بقدرة الخالق، ولا نهاية له ولملكه(2 صموئيل 17: 12-15 وإشعياء 9 :5).

ترقَّب اليهود بشوق مجيء المسيح، خصوصاً لمَّا احتلَّ الرومان بلادهم، ليحررهم من نير العدو المستعمر. وتمنوا أن يقيم المسيح الآتي ملكوت الله على الأرض بحد السيف والسلطان، وأن يجعل مدينة أورشليم محور العالم، وأن يقيم الموتى حاكماً ودياناً على الشعوب.

 

عندما كتب البشير متى أول جملة في كتابه، وشهد أن الشاب الوديع يسوع الناصري هو المسيح الموعود، خلق بشهادته هذه إيماناً ملتهباً عند المستعدين، وبُغضة مُرَّة عند الأصوليين الرافضين. فكل المخْلِصين بين منتظري المسيح، الذين أدركوا في يسوع روح الله المتجسد، تعلَّقوا به مؤمنين. لكن أكثرية اليهود رفضته لأن رؤساء شعبهم رفضوه، إذ جاء بلا سلاح ولا قوة دنيوية فسلموه للصلب. لم يهتم متى بحقد الجماهير والرؤساء، بل عارضهم بجرأة، وشهد بالحق، وسمَّى يسوع: «مسيح الله الموعود». وقد وردت كلمة المسيح 569 مرة في العهد الجديد.

ليست كلمة «المسيح» اسماً ليسوع، بل لقبه الذي يدل على خدمته. فكلمة المسيح تعني الممسوح بملء الروح القدس. في العهد القديم مُسح الملوك والكهنة والأنبياء بزيت التكريس. وقد وحَّد يسوع في شخصه سلطان الملك الإلهي، وهو رئيس الكهنة الحق، وحمل الله الذبيح. كما أنه لم يأت كسائر الأنبياء بكلمة الله الموحاة له، لأنه كان هو كلمة الله المتجسد. في المسيح حلَّ ملء اللاهوت جسدياً، فهل أنت من أعضائه أم من أعدائه؟

 

نسجد لك أيها الرب يسوع المسيح، لأنك الملك المرسَل من الله، وكاهننا الأمين. لقد نقلت قلوبنا إلى مملكة سلامك. علِّمنا إدراك اسمك وسلطانك الروحي، لكي نعرف حياتك ووداعتك وتواضعك، ولكي تتغير أذهاننا لنثبت أعضاء مؤهلين لملكوتك.

الصلاة:

 

السؤال5 : ما معنى لقب «المسيح» بالنسبة ليسوع؟

 

 

1: ( 1 ) . . . يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ

 

يعرف كل يهودي من هو داود، لأنهم حفظوا مزاميره ( زبوره ) غيباً ورتلوها في المناسبات والأعياد الدينية، وعظَّموا محبة الله وعنايته بكلماته المليئة بالحمد والشكر. واستخدموا كلمات وعبارات ملكهم معترفين بخطاياهم وطالبين من الرب خلاصاً من أعدائهم.

 

فمن هو داود؟ اختاره الرب وهو ما يزال فتى راعياً، ليكون الملك الممسوح على شعب العهد القديم. وخلال خدمته الرعوية على القطيع تعلم الانتباه والجرأة والقيادة، والثقة بالله. كافح ضد الدببة والأسود. تعلم الصيد والعزف على الربابة والمزمار. ولمَّا صار شاباً تغلب بقدرة الله وعونه على جليات الجبار، فحسده الملك شاول، وغار من بطولته الشهيرة.

اضطر داود للهرب إلى الفلسطينيين، وعاش تحت حمايتهم، إلى أن انتحر خصمه شاول. بعدئذ أسس في "حبرون" مملكة مدة سبع سنوات. ولمَّا تحسَّنت الأحوال سنة 1004 ق.م  فتح أورشليم، وجعلها عاصمة لأمته كلها. واستجلب أيضاً تابوت العهد إلى مركز سلطانه، جاعلاً من أورشليم محور الحضارة اليهودية. كذلك غلب أعداءه المجاورين تدريجياً في حروب دموية.

 

لمَّا أصبح داود غنياً وشهيراً، غلبته شهوته فزنى وقتل وأخذ نعجة الرجل الفقير. لكنه سمع توبيخ الله وتجاوب معه، فتقبّل الله توبته العميقة وغفر خطيئته بعد اعترافه الصريح بها، ومات ابن الخطيئة، إذ من المستحيل أن تجتمع الخطيئة والبركة تحت سقف واحد. ثم أدَّبه من جهة أولاده بخطايا متعددة وثورات أليمة، حتى اضطر للهرب من وجهه، وهو شيخ كبير السن، إلى عبر الأردن. ولم يعد إلى قاعدته إلا بعد أن قُتل ابنه الثائر أبشالوم.

في تلك السنوات الهائجة، اقترب داود من الله وصلى كثيراً، حتى ألهمه الروح القدس تسابيح ونبوات فائقة الوصف. ويشير قسم كبير من مزاميره إلى المسيح الآتي. وأعمق تأثير نقشه الروح القدس في قلبه أنه سيأتي من نسله ابن، يكون الله أباه بالذات(2صموئيل 17: 12-15 و 1ملوك 17: 11-14). وهذا الوعد المثير هو أحد أسس الإعتقاد أنه ينبغي أن يكون المسيح ابناً لداود.

 

لم يضع متى البشير وفي أول جملة من كتابه، لم يضع لقب المسيح فقط على يسوع، بل شدَّد على أنه من ذرية داود، مبيّناً أن يسوع هو من عشيرة الملك، معيَّن منذ ولادته ليكون الملك الأزلي الموعود.

 

أيها الله القُدُّوس، طرقك غامضة أمام أعيننا. لكن كل وعد من وعودك يتم حتماً وتلقائياً. لم تخترنا لجودتنا الخاصة، بل لأجل رحمتك العظيمة. ولم ترفضنا لأجل آثامنا، بل تطهرنا إذا تُبنا توبة حقَّة. فأرشدنا إلى انكسار الكبرياء وإلى الندامة على خطايانا لنرفض كل شرورنا، وتتقدس أذهاننا بقوة روحك الطاهر.

الصلاة:

 

السؤال 6: لماذا سمي يسوع «ابن داود»؟

 

 

1 :1 كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ

 

أكرم اليهود ابراهيم أباهم لأن به ابتدأ تاريخ الله مع جماعة من البشر. فدعا الله إبراهيم من مستقره في بلاد الرافدين، وأمره أن يخرج من حضارته، ويترك أصدقاءه وحماية عشيرته، جعله بدوياً رحَّالة بلا وطن. فاستسلم إبراهيم لهُدى ربه، وصار قدوة للمؤمنين. ومنذ البداية وعد الله مختاره أن يجعل ذريته شعباً كبيراً كعدد النجوم في السماء، وحبات الرمل على شاطئ البحر. وأن تتبارك فيه كل الشعوب  (تكوين 12: 2 ، 7 ، 13: 10 ، 15: 5 ، 18).

 

ورغم أن إبراهيم لم يمتلك أرضاً ولم يكن له ابن، فقد آمن بمواعيد الرب، وأصبح أباً لكل المؤمنين.

لكنه مع أمانة إيمانه سقط في التجربة. لم ينتظر حتى يمنحه الله ولداً، بل استعجل الأمر، وتزوج أَمَة زوجته واسمها «هاجر المصرية»، فولدت اسماعيل، فسبَّب باستعجاله ألماً وضيقاً للأجيال.

 

بعدما أعرض الله عن ابراهيم لثلاث عشرة سنة، رحمه وهو في شيخوخته وقد بلغ تسعاً وتسعين سنة، فقطع القُدُّوس معه عهداً، ومنحه رمز الختان، واعداً إياه مرة ثانية بابن مختار، رغم شيخوخته. آمن ابراهيم بالله، وصدَّق وعده ضد مألوف القوانين الطبيعية. فأوجد الخالق في جسد سارة العاقر، إسحاق الوارث المرتقب. وصارت علاقة الله بإبراهيم قريبة، حتى قبل شفاعته المتكررة بأهل سدوم وعمورة، وسُمِّي خليل الله. امتحن الرب إبراهيم أبا المؤمنين، إذ كان يحب ابنه أكثر من ربه، فطلب منه أن يذبح ابنه إسحاق. فأطاع المؤمن صوت الله، واستعد أن يضحي بعزيزه، محبةً لربه. هكذا أصبح مثلاً لله، الذي بذل ابنه محبةً لأجل خلاصنا. عندئذ حلف الله لأجل أمانة إبراهيم أن يبارك بنسله العالم كله (تكوين 22: 12 ، 16، القرآن الكريم:  الصافات 37: 102 114).

نعلم بواسطة الرسول بولس، أن عبارة «نسل ابراهيم»  تعني شخصاً مفرداً، هو يسوع المسيح فقط (غلاطية 3: 16) إذ أنه فيه وبه تتبارك الشعوب. لكن في ذلك الزمن، الذي وضع فيه البشير متى لقب «ابن ابراهيم» على يسوع، رفضت أكثرية اليهود هذا الابن، وصلبت حامل الوعد. إنما البشير شهد منذ بداية إنجيله، أنه لا تأتي بركة إلى آل ابراهيم وإلينا، إلا بواسطة يسوع المختار من الله. هو حامل الوعد. وبه وحده تنال أيها القارئ بركة الله الكاملة.

 

نسجد لك أيها القُدُّوس، لأنك تختار أناساً أشراراً. فلم تختَرهْم لأجل صلاحهم وإيمانهم، بل لنعمتك ورحمتك. ساعدنا لإيمان حي، كي نقبل اختياره لنا، ونثبت كأولاد إبراهيم في الروح، ونشترك في ملء البركة الممنوحة لنا في ابنك يسوع.

الصلاة:

 

السؤال 7: كيف يكون يسوع ابنا لابراهيم أيضاً؟

 

 

1: (2)  إِبْرَاهِيمُ وَلَدَ إِسْحَاقَ

 

كتب البشير متى إنجيله لليهود والمسيحيين من أصل يهودي. فأبرز قبل كل شيء النسب الكامل ليسوع، مبرهناً أنه شرعياً المسيح المستحق على أساس مصدره، لأن وجوده لم يبتدئ بولادته.

 

ابتدأ الله طريق الخلاص بإبراهيم، ودلَّ بتقديم إسحق للذبح على ضرورة التضحية الفريدة التي كملت في يسوع المسيح على الصليب. فإسحق وارث الوعد، تربَّى منذ طفولته بتقوى الله في تسليم كامل له. إنه رجل الصلاة. ابتدأ زواجه باسم الرب، وحصل على غلال كثيرة من حقوله.كان حليماً، ترك بئريه للرعاة المتخاصمين وحفر بئراً جديدة. فتغلَّبت محبته على أعدائه، وعاش وديعاً متواضعاً، حتى ظهر له الله، مثبِّتاً له عهد إبراهيم أيضاً. إن تصرفات إسحاق تشبه تصرفات يسوع، أكثر من كل أفراد العائلة (تكوين 24: 63 ، 26: 6 ، 7 ، 12 13 ، 22).

 

لكن إسحاق سقط في خطايا شبيهة لخطايا والده، وسمى امرأته «أخته» ليخلِّص نفسه من أعدائه الشهوانيين (تكوين 26: 6،7). كذلك أحب ابنه عيسو أكثر من يعقوب، الأمر الذي تسبَّب في مؤامرة حبكتها الزوجة مع ابنها يعقوب ضد زوجها اسحق وابنها عيسو، إلى أن  تحولت بركة الأب إلى يعقوب وحده، جاعلة منه حلقة في سلسلة نسب يسوع المباركة.

 

نعظمك ونحمدك يارب السماء والأرض، لثباتك أميناً لآباء الإيمان رغم ضعفاتهم. محبتك تدوم عبر الأجيال. نؤمن أنك اخترتنا أيضاً في المسيح، وتحملنا رغم فشلنا في لطفك العظيم.

الصلاة:

 

السؤال 8: كيف كان إسحق مشابهاً ليسوع؟

 

1: (2) . . . وَإِسْحَاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ

 

 من يقرأ سلسلة نسب يسوع يفهم أن الإنجيل مبني على أسفار التوراة. وليس أحد يدركه حق الإدراك إلا من يدرس هذه السلسلة أيضاً. كما أنه لا يستطيع أحد أن يصل إلى علية بيت، ما لم يدخل أولاً من بابه السفلي.

وبوحي من الله عيَّن يعقوب وحده من قَبل ولادته حاملاً للبركة (تكوين 25: 24 - 28). لكن يعقوب لم ينتظر إتمام هذا الوعد بصبر وصلاة، بل استعجل، واحتال بتآمر مع أمه، حتى حصل على بركة البكورية. فكانت نقمة أخيه عليه عنيفة شديدة، إلى أن اضطر يعقوب للهرب. وسط هذا الهرب ظهر له الله وأخبره أن بواسطته، وهو المحتال، سيتبارك كل العالم. لم يفهم يعقوب الحلم. لكنه آمن برؤيا السلم الموصّل إلى السماء وبكلمة ربه، إيماناً مخوفاً. وأكمل طريقه حتى وصل إلى بلاد الرافدين. هناك برع في رعاية قطعان البهائم، ومكر على خاله "لابان" صاحب القطيع. فقابل يعقوب خاله بخداع مماثل حتى في تزويجه فتاةً غير المتَّفق عليها، فتزوج يعقوب أيضاً أختها بعد ذلك، التي كان يريدها أولاً. وهكذا اضطر أن يشتغل سنين مضاعفة عند رب العمل.

بعد خدمات وضيقات طويلة، دفعه الاشتياق إلى بلاد آبائه، فاعترض الله طريقه لكي لا يعود متكبراً فيما بعد بل منكسراً ونادماً فصارعه في رؤيا. وفي هذه المصارعة الروحية مع الله تغيَّر ذهن الماكر إلى مصلٍّ متواضع، حتى أعطى الله يعقوب اسماً جديداً هو «اسرائيل» والذي تفسيره "الذي يكافح الله وينجح نتيجة إيمانه". هكذا وصل الرب مع هذا الماكر إلى هدفه، حتى خلق في روحه اشتياقاً للخلاص الكامل، الذي لمحه من بعيد في اقتراب يسوع إلى العالم.

 

كان المسيح هو من تحقق فيه حلم يعقوب، بصعود الملائكة من عنده إلى السماء ونزولهم ببركات العالم (تكوين 32: 30 ، 31 ، 48: 15 ، 16 ، 49: 18 ويوحنا 1: 51).

 

أيها الرب القُدُّوس، أنت تعرف نفسي الميَّالة إلى الأكاذيب والخداع والكبرياء، اغفر لي كل ذنبي، وكسِّر نواياي السيئة حتى أمشي منكسراً في سبيل بِرِّك. إسحَقْ كبريائي كما سحقت يعقوب، حتى أصبح مصلياً ومكافحاً لملكوت لطفك.

الصلاة:

 

السؤال 9: كيف استحق يعقوب منح بركة الله لكل الناس؟

 

 

1: ( 2 ). . . وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. (3) وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارَصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ.

 

لا يؤلِّه الكتاب المقدس الناس، بل يوضح أننا جميعاً خطاة. وكل بشر يظن أن عائلته بلا لوم حتى ولو كانت من الملوك والأنبياء، فهو يكون مغروراً، إذ أنه لا يوجد بار أمام الله، حتى في عائلة يسوع. لكننا نجد برهاناً في هذه الحقائق أن يسوع إنما حل في جسد الخطيئة، لكنه غلب الإرث الشرير من آبائه، لأنه لم يولد من أب بشري بل وُلد بواسطة روح الله الساكن فيه، وبقي بريئاً طاهراً بلا ذنب، وفدى البشر طواعية في ذاته.

 

كان يهوذا أحد أبناء يعقوب الإثني عشر الذين سُميت باسمهم الأسباط الإثنا عشر. وكان هؤلاء الأبناء من البدو الذين أبادوا مرة سكان قرية بأكملها لعارٍ لحق بأختهم (تكوين 34). وأيضاً حسدوا أخاهم الأصغر يوسف، لأن والدهم فضَّله عليهم، واشترى له ملابس مزركشة، فتآمروا على قتله. لكن يهوذا خفف من غلوهم، وأقنعهم ببيع أخيهم بعشرين من الفضة، فيربحوا به، بدل قتله.

سقط يهوذا في الزنا إضافة إلى طمعه. منع ثامار زوجة ابنه المتوفى من أن تتزوج ولده الثالث حسب أصول الشريعة. فاحتالت ليضاجعها بالحرام، وولدت منه ابنه فارص (تكوين 38). إنه أمر مخجل للبشر أن هؤلاء الثلاثة يهوذا وثامار وفارص، ذكرت أسماؤهم في نسب يسوع. إن ابن الله قد نزل إلى الأسفل ليبرهن أنه يفدي حتى الطامعين والزناة والخطاة، أنَّه يفضح ويكشف الجميع دون استثناء.

أشار يعقوب إلى سلطان المسيح المطلق لفداء الخطاة عندما وضع البركة على ابنه يهوذا. مشبِّهاً إياه بأسد، يسجد له كل إخوته والشعوب (49: 8-12). وقد أدرك يوحنا البشير سر هذه النبوة، حتى أنه سمع نداء الشيوخ في السماء قائلين: «هوذا قد غلب الأسد، الذي من سبط يهوذا، أصل داود» (رؤيا 5: 5-10). فتح يوحنا عينيه ليرى الأسد الأعظم. لم ير الأسد، بل حملاً مذبوحاً، اشترى بدمه المسفوك لله نخبة من كل الشعوب، يخدمونه كهنة ملوكيين إلى الأبد. أتمَّ يسوع الوعود المعلنة عن أبيه يهوذا.

 

نسجد لك يا حمل الله القُدُّوس لأنك أنت مستحق أن تأخذ البركة والمجد والغنى والحمد لأنك غلبت الدم والأخلاق في نفسك وفي الذين يتبعونك، إذ بذلت حياتك القُدوسة ذبيحة لأجلنا. اغلب فينا كل ميل للخطيئة لأننا لسنا أفضل من يهوذا وثامار، طهرنا من ذنوبنا وقدسنا إلى المنتهى.

الصلاة:

 

السؤال 10: كيف تم الوعد عن يهوذا ابن يعقوب في يسوع؟

 

1: 3  وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. (4) وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلمُونَ(5) وَسَلمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى.(6) وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ المَلِكَ. وَدَاوُدُ المَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأورِيَّا.

يقودنا إنجيل متى مرة أخرى إلى نقاط ضعف ثلاث في سلسلة نسب يسوع، عندما يبرز خاصة أسماء ثلاث نسوة سبَّبن التعب والخجل لمفسّري التوراة. ونحن كذلك لا ندين أحداً، بل ندرك ميولنا الشريرة، ونثبت في التوبة عن خطايانا الخاصة.

لم يذكر متى أسماء النساء الشهيرات كسارة وغيرها من اللواتي افتخر بهن جميع اليهود، لكنه يذكر أسماء نساء لم يستطع اليهود أن يفتخروا بهن: "ثامار" وقد ذكرت للدلالة على أن خلاص الله هو للخطاة (تك38: 11-14). و"راحاب" التي ذكرت للدلالة على أن الخلاص للخطاة بالإيمان    (يش2؛ عب11: 31) و"راعوث" وقد ذكرت للدلالة على أن هذا الخلاص هو بالنعمة بدون الشريعة (تث23: 3؛ رو3: 21-30) و"بتشبع" وقد ذكرت للدلالة على أن خلاص الله للمؤمنين هو بالنعمة وأبدي ( 2صم11و 12؛ مز23: 3؛ عب10: 38-39).

 

إن بعض الأسماء المذكورة في نَسب يسوع غير معروفة لنا اليوم بدقّة، إنما نعرف أن الزانية راحاب الوثنية قبلت الجواسيس وحمَتْهم، لأن الله أراها أنه قد سلَّم مدينتها أريحا إلى يد الشعب القادم. وبعدما افتُتِحَتِ المدينة تزوجها أحد هؤلاء الجواسيس، فصارت من جدَّات المسيح. كما رأينا ثامار تُدخِل دماً غير يهودي إلى الملك داود ويسوع. هكذا حصل أيضاً مع راحاب وبعدئذ راعوث، لأن روح الله أراد أن يثبت أنه غير مُلتزم بفكر عنصري، بل يريد إنقاذ الخطاة من الأمم (يشوع 2: 1-21 ، 6: 17 وعبرانيين 11: 31).

 

كان بوعز رجلاً مستقيماً. لم يستغل ضيقة الأرملة راعوث، إذ أمر عبيده أن يتركوا لها سنابل القمح لتلتقطها وتتغذى بها، لأنه عرف كيف كانت رفيقة مخلصة لأم زوجها المتوفى. وتزوجها بعد ذلك، رغم أنها امرأة غريبة، فصارت أم جد داود. وحسب الشريعة اليهودية كانت تعتبر نجسة، لكن كل الناس سواء أمام الله (راعوث 2: 4).

إن أفظع درجاتِ الخطيئة في تاريخ جدود يسوع، هي ما حصل مع النبي داود، إذ اشتهى امرأة أوريا أحد جنوده عندما كانت تستحم على سطح بيتها، فاستدعاها إلى قصره، وطلب من قائد جيشه أن يدبر لزوجها أوريا تهلكة ليقع في كمين العدو، فتغطى عار الملك. لكن الله كشف الزنا والقتل في خادمه كصاعقة، وهدَّده بالموت. ولم تُخلِّصه إلا التوبة السريعة النصوحة، والإيمان بنعمة الله للتائب المنكسر. فلم تبرح الرحمة عنه. بعدئذ تزوجها زواجاً شرعياً. ومنحهما الله ابنهما سليمان الحكيم، لأن الزواج تطهَّر بواسطة توبة عميقة.

 

أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك لم ترفضنا ونحن فاسدون زناة، بل أرسلت ابنك إلينا، لنرى في سلوكه قدوة مقدسة لحياتنا. إننا نقبل ذبيحته عوضاً عنا، ونتقدس في قوة روحك القُدُّوس، ونعيش منكسرين خادمين لإرادتك الأبوية.

الصلاة:

 

السؤال 11:  لماذا أبرز البشير متى أربع نساء في سلسلة نسب يسوع. وما هي أسماؤهن؟

 

 

1: 6  وَ يَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَ دَاوُدُ الملك وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأورِيَّا. (7) وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحُبْعَامَ. وَرَحُبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَ أَبِيَّا وَلَدَ آسَا. (8) وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَ يَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَ يُورَامُ وَلَدَ عّزِيَّا. (9) وَ عُزيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَ يُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حَزَقِيَّا.

 

تربى سليمان في صغره على يد كاهن، فنما في التقوى طالباً من الله قلباً مطيعاً ممتلئاً بالحكمة. ولما توج ملكاً بنى في أورشليم هيكلاً جميلاً، ليكون محوراً للحضارة اليهودية عبر القرون. وقد قطع لبنائه كثيراً من أرز لبنان الثمين. وفرض سليمان على الشعب أن يدفع تكاليف تلك الأبنية الفخمة. وكان لدى سليمان 700 زوجة  و 300 محظية تقريباً. فتألم الشعب من الضرائب الباهظة لأن حياة  كهذه تكلف قناطير. وفوق هذا الشر، فقد استقدمت كل زوجة منهن صنماً خاصاً معها من بلادها. فمال سليمان الحكيم أخيراً إلى عبادة الأوثان إرضاءً لزوجاته الحبيبات    (1 ملوك 11).

في زمن داود وسليمان، قامت دولة إسرائيلية قوية لمدة مئة سنة فقط، وبعدها حل الانقسام. حصل ذلك في زمن ابن سليمان "رحبعام" المستبد، إذ انقسمت دولة الآباء سنة 932 ق.م، فاتحدت الأسباط العشرة في شمال البلاد مكونين مملكة اسرائيل الجديدة، التي كانت عاصمتها مدينة السامرة. أما سبط يهوذا فقد ظل أميناً للعائلة الملكية الداودية، وتكونت منه المملكة اليهودية في منطقة أورشليم. أما أسماء الملوك في نسب يسوع فترجع للذين حكموا هذه المملكة الصغيرة في أورشليم وضواحيها.

في زمن هذا الانشقاق أرسل الله أنبياءه إلى المملكة الشمالية، ومنهم إيليا وعاموس وهوشع. وعملوا على وَقْف عبادة الأوثان الداخلة في الأمة من الشعوب المحيطة بهم. فأنذروا شعبهم باسم الله ليرجع عن عبادة الصور والأوثان والأشجار المقدسة وذبح الأولاد، وسمُّوا كل الآلهة أباطيل، واعترفوا بالله الوحيد، مشددين على الإيمان بالوحدانية. تألموا من الكفر المتغلغل، مهددين الفجَّار بدينونة الله وانتقامه. وانبأوا بنفس الوقت عن مجيء الملك الوديع العادل، الذي سيأتي ليوحّد الأخوين المنفصلين، وينشئ في أورشليم دولة السلام.

لكن الأسباط في دولة الشمال لم يذعنوا للأنبياء، بل أكملوا عبادة الأوثان والحفلات البذيئة، فعمَّ الكفر والفساد. سمح الله أن تهجم الدولة الأشورية على إسرائيل، التي كانت في أوج قوتها، فحاصر الأشوريون مدينة السامرة وهدمتها. سبى الأشوريون كل الأغنياء والرؤساء مسافة 1500 كيلو متر بعيداً عن أوطانهم، في بلاد الرافدين، فذابوا بين الشعوب. وبذلك انتهى تاريخ دولة إسرائيل سنة 722 ق.م. وقد استجلب الأشوريون شعوباً وثنية أخرى أسكنوها في الجليل والسامرة وشمال فلسطين مكان المسبيين، فامتزج هؤلاء مع بقية شعب اسرائيل مكوّنين ديناً مختلطاً، مما حدا باليهود الجنوبيين إلى احتقار الشماليين الممتزجين مع الأمم ورفضهم لأنهم نجسون.

أما قوله "يورام ولد عزيا" لا يقصد به أن يورام هو أبو عزيا. لكن المقصود أن عزيا سليل يورام، لأن ما بين يورام وعزيا هناك ثلاثة ملوك لم ترد أسماؤهم في السلسلة (1أي 3: 11و12) وهم أخزيا ويوآش وأمصيا. وحذف هؤلاء الملوك الثلاثة كان قضاء إلهيا عليهم حسب الوعد الوارد في       (خر20: 3-5 وتث29: 18-20) ومن ثم لم يعترف الشعب بملكهم عليه إذ ثار عليهم وقتلهم ولم يدفنهم في قبور الملوك (2أي 22: 8و9، 24: 25، 25: 27و28) وأسقطهم من جدول النسب الملكي. لقد راعى متى ذلك في كتابة إنجيله لأنه قدمه لليهود. ومهما كان السبب فعدم ذكرهم لا يخل بصحة النسب. ولم يستطع اليهود أن يعترضوا على ذلك بشيء أو على حذف بعض الأسماء من جداول الأنساب لأن ذلك كان أمراً مألوفاً لدى اليهود كما هو واضح من مقابلة (عز7: 1-5 مع 1أي 6: 3-15).

أما يسوع فأحب المحتقرين، وسكن بنفسه في الناصرة في مملكة الشمال، فسبَّب له ذلك رفْضاً من يهود أورشليم. وفي زمن يسوع رمَّمَ الملك هيرودس بناء الهيكل الثاني في التاريخ. لم يرفض المسيح ورسله هذا البيت المصنوع من الحجر، بل نادوا الشعب المجتمع في الهيكل أن يستسلم للإله الحقيقي، ويسلم نفسه حجارة حية لبناء بيت روحي يسكن الله فيه بروحه القدوس.

 

أيها الرب يسوع المسيح، مملكتك ليست من هذا العالم. أنت الملك الوديع الصحيح. جميع الرؤساء الآخرين أخطأوا وحاربوا وسفكوا الدماء وكنزوا الأموال، أما أنت فعشت قُدُّوسا ومت في سبيل الحق لتفدينا من العار. اقبلنا واغرسنا في هيكلك الروحي لنكون عن حق بيت الله المكرس إلى الأبد.

الصلاة:

 

سؤال 12: متى حدث الإنشقاق في مملكة العهد القديم، وإلى أي فرقة ينتمي نسب يسوع؟

 

1: 9 . . .  وَأَحَازُ وَلَدَ حَزَقِيَّا. (10)  وَحَزَقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا.(11)  وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ.

 

حكمت الدولة الأشورية الشرق الأوسط بسلطان كبير، وامتدت حدودها من دجلة إلى النيل. كانت المملكة اليهودية الصغيرة حول أورشليم شوكة في عين المستعمر. فابتدأ الأشوريون بمحاصرة مدينة السلام سنة 701 ق م، وانتهى الحصار بعون الرب فجأة، عندما فتك الطاعون بجيش سنحاريب، ومات حوالي 185 ألف جندي دفعة واحدة.

عاش في أورشليم آنذاك ملك تقي هو حزقيا. خدم بجانبه النبي إشعياء النبيل، الذي دعا ملكه وشعبه إلى التوبة، وإلى إيمان غير متزعزع بأمانة العلي. وقد ظهر له رب الجنود قدوساً. وأرسله نبياً بشهادة حازمة وقوية، فتزعزع الشعب اليهودي. غير أنه لم يتغير ولم يتجدد إلى التقوى، بل استمر في حياة الرفاهية وفي الكبرياء.

بعد مئة سنة من هذه الأعجوبة الإلهية، جاء الملك التقي يوشيا، وقام بإصلاح جذري للأوضاع الدينية والاجتماعية، وجمع الشعب وتلا عليهم التوراة والأنبياء التي اكتشفت في إحدى غرف الهيكل، ورمم بيت الله، ونظم طقوسه، ليتقدس الشعب حقاً. لكن الفساد كان أعمق من الظاهر. فلا يمكن للشريعة أن تتغلب على الخطيئة.

أرسل الله في تلك الأيام نبياً جباراً اسمه إرميا (626-580 ق.م) الذي أنذر الشعب بزوال المملكة الجنوبية. وما زالت دعوته المتحمسة للتوبة تجذبنا حتى اليوم. تألم النبي كثيراً من اضطهادات ملوكه، لأنه رأى نهاية المملكة، ودعا سبطه إلى تعقُّل سياسي واستسلام للعدو.

 

في ذلك الوقت كانت دولة أشور قد انكسرت في بلاد الرافدين، وقامت على أنقاضها مملكة بابل، وأخذت قسماً كبيراً من حضارتها وممتلكاتها، فأرغمت سبط يهوذا أن يدفع جزية باهظة للملك البابلي الجديد. ولمَّا ثار اليهود على البابليين سنة 597 ق.م، هجمت جيوش نبوخذ نصر، واحتلت أورشليم بسرعة. وأعطى هذا الملك فرصة للشعب اليهودي أن يخضع له. أسرَ منهم  ثمانية آلاف رهينة من نبلائهم إلى السبي. لكن الباقين كانوا عمياناً حتى أنهم لم يتبصَّروا في ضعفهم الروحي والسياسي. وثار هذا السبط الصغير سنة 587 ق.م، في زمن حكم صدقيا، فتسبب بدمار مدينتهم وسبيهم جميعاً.

إن دينونة الله لا تستثني مختاريه إذا فسدوا وابتعدوا عنه، بل تقع عليهم أيضا إن لم يتوبوا. فمحبته القُدُّوسة لهم هي الدافعة إلى هذا التأديب والتجديد ورجاء أن يتوبوا في سبيهم ويعودوا إلى ربهم.

 

اغفر لنا أيها الرب ذهننا المتصلّب. علّمنا تغيير الفكر، فلا نتخذ الذهب والرفاهية والأسلحة آلهة وسنداً لحياتنا. بل امنحنا روحك القدوس، ليقدسنا إلى سلوك مقبول في الحق والطهارة والمحبة وإنكار النفس، كما سلك مسيحك على الأرض. ليأت ملكوتك، ولتكن مشيئتك كما في السماء كذلك في بلدي.

الصلاة:

 

السؤال: 13-كيف حفظ الرب المملكة الجنوبية، وكيف سلَّمها إلى السَبْي؟

 

 

1: 12  وَ بَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. (13) وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. (14) وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. (15) وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ.   (16) وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ.

 

ارتعب اليهود المسبيون إلى بابل رعباً شديداً، لأنهم ظنوا أن الله يحميهم لأجل عهده معهم، وأن حضوره في الهيكل يضمن لهم الانتصار حتماً. لكنهم بعدئذ اختبروا أن الله طلب منهم القداسة وحفظ الشريعة في المحبة. لم يكتف بطقوس وعقائد وصلوات متكررة بدون معنى (أوتوماتيكية)، لأن هدفه ليس دولة دينية ذات سلطة سياسية، بل سعى إلى تغيير القلوب والأفئدة وجعلها تنكسر وتتواضع أمامه، كما سعى أيضاً إلى تجديد الأذهان إلى خليقة جديدة.

إن الله لا يغضب إلى الأبد، بل يمنح الشعوب والأفراد فرصة ثانية للتوبة. هكذا عاد رجلان في سنة 538 ق م إلى أورشليم. منكسرين وبرجاء كبير، اسمهما زربابل المنحدر من نسل داود، ويشوع ابن رئيس الكهنة السابق. وأُتيح لهما ولشعبهم الرجوع إلى الوطن، لأن الفرس كسروا بابل. وسمح كورش الملك لليهود بالعودة إلى وطنهم، إذا رغبوا في ذلك، فعاد قسم قليل منهم بفرح. لكنهم وجدوا أورشليم وما حولها خربة فقيرة. ورغم الحالة السيئة، ابتدأوا في بناء الهيكل، عالمين أن انحدارهم السابق كان بسبب نقص إيمانهم وسلوكهم المعوج، وعرفوا أن الله لا يريد منهم مملكة سياسية، بل خدمات روحية وسجوداً مخلصاً، بحياة طاهرة.

 

لا نعرف كثيراً عن الرجال المذكورين في الثلث الأخير من سلسلة نسب يسوع، إلا أنهم عاشوا بصورة شبه متواصلة تحت سيادة الغرباء. إذ أن القوة انتقلت من الفرس إلى اليونان، ومنهم إلى المكابيين ثم إلى الرومان. فبقيت المنطقة اليهودية كورة منعزلة غير مهمة في التاريخ السياسي.

 

نستغرب عندما نرى أن نسب يسوع ينتهي بيوسف، الذي ليس أباً حقيقياً ليسوع. لكن الفهم اليهودي للنَّسَب يعتمد آنذاك على الحقوق والارتباطات الشرعية، وليس على العنصرية وعلاقة الدم. فاندمج يسوع في أبناء داود بواسطة يوسف الذي تبنَّاه، كما أنه وُلد في مدينة داود وليس في الناصرة بسبب الاكتتاب الروماني، لأن يوسف كان مضطراً أن يرجع إلى بيت أجداده، حسب القوانين الرومانية.

شهد متى بأهمية لقب يسوع ابن مريم، انه المسيح المنتظر. ليس البشير متى هو الوحيد الذي اعترف بمسيحية يسوع، بل كثيرون أيضاً من شعب العهد القديم، وملايين من الأمم حتى اليوم، يعترفون فرحين أن ملكوت السماوات قد اقترب بولادة المسيح يسوع. فمحبته وسلطانه الروحي ومسرته وتواضعه هي علامات ملوكيته الخارقة. فعالمنا المتضعضع لا يحتاج إلى ملكوت ورؤساء جدد، لأن الأسلحة أو الثورات لا تخلق شعوباً جديدة، بل المصالحة مع الله في المسيح، والمسالمة الإلهية الشرعية هي القادرة على أن تجدد الأفراد والأوضاع. فنصلي من كل قلوبنا: «ليأت ملكوتك» في أيامنا.

 

أيها الرب يسوع، أنت ملكنا. لم تطلب منَّا ضرائب أو إتمام فرائض، بل بذلت نفسك لأجلنا، وحررنا من أمانينا الفانية بالشرف السياسي والضمان الاقتصادي والرغبة الانتقامية، وتغيرنا باستمرار إلى أناس المحبة، مانحاً لنا حياة أبدية، لكيلا نموت إذا متنا ( يوحنا 11: 25-26 ) بل نعيش بحياتك الأبدية.

الصلاة:

 

السؤال 14: لماذا ينتهي نسب يسوع بيوسف، الذي ليس أباه حسب الجسد؟

 

 

1: 17   فَجَمِيعُ الأجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً.             (أنظر لوقا3: 23-38)

 

إن العدد 14 مُرَكَّب من 2 × 7 . كما أن 7 تساوي  3 + 4 . وبما أن الرقم 3 يدل على اللاهوت في وحدة ثالوثه الأقدس، و4 تمثل الجهات الكونية الأربع، فقد ارتبطت السماء والأرض بالرقم 7 في تطور التاريخ. وإذا قرأنا تكرار الرقم سبعة مرة ثانية لتصبح أربعة عشر، فهذا يعني اكتمال التطور التاريخي الإلهي في عالمنا، ويظهر ذلك في شاهدين يشهدان لله وعمله في دنيانا.

 

بما أن هذه الفترات الزمنية المبنية على العدد 14 ظهرت ثلاث مرات متتالية، رأى متى أنها تنبئ بمجيء المسيح، لأن مقياس الله للزمن قديم، وهذا ينبئ بحلول ملكوت السموات على الأرض. لم يهتم الكاتب بذكر بعض الأسماء من سلسلة الملوك، لأنه لم يركّز على التفاصيل التاريخية، بل أبصر تخطيطات الله العظيمة لأهدافه الخلاصية.

اختار الرب إبراهيم وجعل منه في الفترة الأولى شعباً كبيراً، أضحى داود قمته. لكن الإنهيار ابتدأ بسليمان، فانقسمت الدولة السياسية زمن رحبعام ابنه، ثم أُبيدت الدولة الشمالية، وسُبي اليهود إلى بابل.

أدرك اليهود الراجعون من السبي، من مدرسة تأديب الله،  إن السلطة والأسلحة والرفاهية، ليست هي هدف الله للتائبين، بل حياة مقدسة وفق شريعة موسى، ليصبحوا شعباً مقدساً ملوكياً في التواضع والحق.

لم تخلق مدرسة الانكسار هذه نفس الفكر في نفوس الناس، فالغيورون عارضوا الله وسحقه إياهم، وعزموا على إقامة دولة بهية، مهما كلف الأمر. أما الفريسيون فحاولوا إتمام الشريعة باجتهادهم الخاص بدقة بالغة، فاستكبروا وتباهوا. لكن عدداً قليلاً من اليهود فهموا عدم قدرتهم على حياة مقدسة، فعاشوا في توبة وانكسار أمام الله، ليعدوا طريقه بدموع الندامة على خطاياهم. كان اليهود أيام يسوع في انقسام بالرأي. ولم تكن الظواهر تدل على مجيء مخلّص الأمة الأعظم، الذي يفدي العالم كله ويباركه. انما أدرك البشير متى البرهان القاطع في مسيرة التاريخ، أن يسوع هو مسيح الله الموعود.

 

نعظمك أيها الله القُدُّوس القدير، لأنك أعددت منذ القديم مجيء ابنك واستخدمت الآباء والملوك والأنبياء لتمهيد طريقه، ولم تستح بأن تضم مسبيين وزناة إلى نسب ابنك. لنتقدس في الإيمان ونصبح ثماراً لفداء ابنك ونحمدك ونمجدك بفضائل روحه في سلوكنا.

الصلاة:

 

سؤال 15: إلى ما يدلنا الترتيب الزمني في نسب يسوع؟

 

 

ولادة يسوع وتسميته

(1: 18-25)

 

1: 18  أَمَّا وِلادَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.                           (أنظر لوقا1: 26-38)

 

حفظت مريم العذراء الطاهرة منذ صغرها كلمة الله غيباً، لأن تسبيحاتها تدل على معرفة غنية بالتوراة والأنبياء. ألهمها الروح القدس شهادة عظيمة عن مجد الله وأعماله الحكيمة. وربما أن مريم كأغلبية البنات رأت في الزواج أمنية حياتها، فرضيت بالنجَّار خطيباً. واعتُبِرَت الخطوبة في شعب العهد القديم ارتباطاً شرعياً، حتى سُمِّي يوسف «رجلها» (19) وهي «امرأته» (20).

 

 وُلد المسيح من عذراء، من عذراء مخطوبة:

1. لكي يقدس الزواج ويجعله "مكرماً عند كل واحد" (عب13: 4 ) خلافاً لأولئك الذين كانوا يعلمون تعاليم غريبة "مانعين الزواج" ( 1تي4: 3)

2.