الجزء الثالث

4- عدم إيمان اليهود

وعداوتهم ليسوع

(متى11: 2- 18: 35)

 

 

243

(11: 2-12: 50)

أولاً-شيوخ اليهود يرفضون المسيح

 

243

(11: 2-19)

جواب يسوع لوفد المعمدان

249

(11: 20-24)

يسوع يوبّخ المدن الخاطئة

251

(11: 25-27)

إعلان وحدة الثالوث الأقدس

254

(11: 28-30)

الدعوة إلى الراحة في المسيح

257

(12: 1- 8)

التلاميذ يقطفون السنابل يوم السبت

258

(12: 9-21)

شفاء اليد اليابسة يوم السبت

262

(12: 22-37)

التجديف على الروح القدس

270

(12: 38-45)

آية يونان النبي

274

(12: 46-50)

أقرباء يسوع الحقيقيون

 

 

276

(13: 1-58)

ثانياً-المسيح يعلّم بأمثال عن النمو الروحي لملكوت السموات.

            (المجموعة الثالثة لكلمات المسيح)

 

         

276

(13: 1-23)

مثل الزارع

283

(13: 24-30 ، 36-43)

مثل الزوان في الحقل              

286

(13: 31-35)

مثلان عن حبة الخردل والخميرة

288

(13: 44-46)

مثلان عن الكنز في الحقل واللؤلؤة الثمينة

289

(13: 47-53)

الشبكة الملقاة في بحر الشعوب

292

(13: 54-58)

أهل الناصرة يرفضون يسوع

 

294

(14: 1-17: 27)

ثالثاً-خدمات يسوع وتجوُّلاته

294

(14: 1-12)

موت يوحنا المعمدان

297

(14: 13-21)

إشباع الخمسة آلاف

299

(14: 22-27)

يسوع يمشي على الماء

301

(14: 28-35)

غرق بطرس في البحيرة

303

(15: 1-9)

تطهير الداخل والخارج

306

(15: 10-20)

من القلب تخرج أفكار شريرة

309

(15: 21-28)

إيمان المرأة الفينيقية العظيم في وتواضعها

312

(15: 29-39)

إشباع الأربعة آلاف

315

(16: 1-12)

يسوع يهاجم التعصب والسطحية

318

(16: 13-16)

شهادة بطرس الفاصلة عن ألوهية يسوع

320

(16: 17-20)

الإيمان الحق هبة من وحي الله الآب

322

(16: 21-28)

إعلان يسوع الأول عن موته وقيامته

330

(17: 1-8)

تجلّي يسوع على جبل حرمون

332

(17: 9-13)

إيضاح الوعد بمجيء إيليا              

334

(17: 14-21)

شفاء الفتى المصروع                   

336

(17: 22-27)

إعلان يسوع الثاني عن موته وقيامته     

         

339

(18: 1- 35)

رابعاً-النظام الداخلي لملكوت الله

(المجموعة الرابعة لكلمات المسيح)

339

(18: 1-14)

كبرياء التلاميذ وتواضع الأطفال

344

(18: 15-17)

الغفران المتبادل بين الإخوة

346

(18: 18-20)

الربط والحل باسم المسيح

348

(18: 21-22)

الغفران المطلق

349

(18: 23-35)

مَثَل العبد غير المتسامح

أولاً-شيوخ اليهود يرفضون المسيح

( 11: 2 – 12: 50 )

 

جواب يسوع لوفد المعمدان

( 11: 2-19 )

 

11: 2 أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي السِّجْنِ بِأَعْمَالِ الْمَسِيحِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلامِيذِهِ،  (3) وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟  (4) فَأَجَابَهُمَا يَسُوعُ: اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: (5) اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. (6) وَطُوبَى لِمَنْ لا يَعْثُرُ فِيَّ.

                                                 (ملاخي3: 1؛ إشعياء35: 5-6، 31: 1؛ لوقا7: 18-23)

 

بعدما أرسل المسيح رُسله إلى المدن والقرى، تبعهم ورسَّخ عملهم، وأكمل خدماتهم وثبَّت مستمعيهم في بشارة ملكوت السموات، فانتشرت شهرته إلى كل الأصقاع. في هذا الوقت أخذوا يهمسون فيما بينهم: أهذا هو النبي الموعود المرسَل من الله؟ لقد أتى بالآيات المدهشة والمختصة بالمسيح المنتظر، إذ

ليس أحد يقد على إقامة الموتى إلاَّ هو.

استمرت الخدمة رغم الزج بيوحنا في السجن، وهذا لم يزد في آلامه، بل بعث في نفسه تعزية كبرى. لا شيء يبعث تعزية في نفوس شعب الله في آلامهم بقدر ما يسمعون "باعمال المسيح" سيما إذا ما اختبروها في نفوسهم. هذا يحول السجن إلى قصر، والمسيح يعلن محبته بأية طريقة من الطرق لمن يتألمون من أجل الضمير. لم ير يوحنا أعمال المسيح، لكنه سمع عنها بسرور وطوبى لمن لم يروا بل سمعوا فقط ومع ذلك آمنوا.

وصل الخبر المسيح إلى يوحنا وهو في السجن، فترقَّب أن يأتي المسيح إليه ليطلقه بمعجزة من سجنه، لأنه كان الممهد لطريقه باستقامته، إنه أعز صديق له، وقد تألم لأجل الحق مظلوماً سجيناً. فانتظر بشوق إبادة الحكام الظالمين بفوز ملكوت السموات العظيم. لكن رغم الانتظار الطويل، لم يأت الملك يسوع. فبقى يوحنا في السجن، مقيداً، معذبا ووحيداً.

 

بدأ الشك يغزو نفس يوحنا في قدرة المسيح وألوهيته، فبعث إليه من يسأله: هل أنت المسيح المنتظر، أم لا؟ لم يجبه المسيح مباشرة، بل أرشده إلى النبوءة الواردة في إشعياء (35: 5، 6)  مفسراً له أن عبد الله الموعود به قد جاء، وهو يخلّص الساقطين من الأمراض والخطيئة والموت. وهذه الأعمال الفريدة هي الدليل القاطع على أن يسوع هو المسيح المنتظر.

 

يظن البعض أن يوحنا بعث بهذا السؤال لكي يقتنع هو شخصياً. صحيح أنه سبق أن شهد شهادة سامية جداً عن المسيح، فقد صرّح بأنه هو "ابن الله" (يو1: 34) وأنه هو "حمل الله" (يو1: 29)، وهو "الذي يعمد بالروح القدس" (يو1: 33) وأنه "أرسله الله" (يو3: 34). وهذه كلها حقائق سامية. ولكنه أراد أن يزداد تأكداً بأنه هو المسيا الموعود به والمنتظر منذ أجيال طويلة.

 

كان يوحنا ينتظر  ملكاً سياسياً ليبيد بسلطانه الظلم المنتشر في العالم، ويحرر الأتقياء المضطهَدين. لكن المسيح لم يعتمد على استخدام الفأس لقطع الأشجار الرديئة، إنما خلّص الضالين، شفى الضعفاء، وزرع الرّجاء في قلوب المتشائمين، لأنه لم يأتِ ليدين ويقاصص، بل أتى كحمل الله الوديع، الذي يحمل خطايا المذنبين على عاتقه نيابة عنهم.

ربما كانت ظروف يوحنا وقتذاك هي الباعثة على شكوكه. فقد كان سجيناً، ولعله قد خامرته هذه الشكوك: إن كان يسوع حقاً هو المسيا، فلماذا وأنا صديقه وسابقه أكابد هذا الضيق الذي أعانيه منذ زمن طويل، ورغم ذلك فإنه لم يفتقدني قط، ولم يهتم بي، ولا أرسل إلي أحداً، ولا سأل عني، ولا فعل شيئاً يخفف عني مرارة السجن أو ينقذني منه؟ لا شك في أنه كان هنالك مبرر لعدم زيارة الرب يسوع ليوحنا في السجن، لئلاّ يبدو بأن هنالك محالفة بينهما. لكن يوحنا أول ذلك بأنه إهمال له، وربما أحدث هذا صدمة لإيمانه في المسيح.

يظن البعض الآخر أن يوحنا ارسل تلاميذيه إلى المسيح بهذا السؤال لإقناعهما وليس لإقناعه هو شخصياً. لاحظ بأن تلاميذه كانوا ملتصقين به، يمثلون أمامه، مستعدين لتلقي تعليماته رغم أنه كان سجيناً. فإنهم أحبوه ولم يريدوا أن يتركوه. فرغب يوحنا أن يحول تلاميذه إلى المسيح كأنه يرقى بهم من المدرسة الإبتدائية إلى الجامعة. ولعله سبق فرأى موته يقترب، ولذلك أراد أن يزداد تلاميذه تعرفاً بالمسيح الذي سوف يتركهم لعنايته.

كان على يوحنا تغيير جوهر تفكيره ليتعلّم أن المسيح هو المحبة. ويشعر أنه ينبغي على حمل الله أن يتألم ويموت ليفدي العالم الأثيم. كان هذا الفكر الجديد درساً صعباً على يوحنا، لأنه لم يكن يتماشى مع روح العهد القديم الذي تربى عليه اليهود وفهموه.إن محبة الله ظهرت في المسيح لطيفة، آتية بتواضع ووداعة، وليس بتسلط وعنف وسلطة.

 

يا إلهنا القدوس، أنت المحبة الرحيمة. نسجد لك، ونلتمس منك انسكاب محبتك في قلوبنا لنسلك بفرح وتواضع وصبر وطول أناة، وندرك جوهر المسيح في الإنسان يسوع ونتبعه إلى الموت، لنمتلئ بفضائله ونصير قديسين بلا لوم في القداسة.

الصلاة:

 

السؤال 114 : لِمَ لم يحرر يسوع المعمدان من السجن؟

 

11: 7 وَبَيْنَمَا ذَهَبَ هذَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟ (8) لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَاناً لابِساً ثِيَاباً نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ. (9) لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيّاً؟ نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ. (10) فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَاأَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. (11) اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ. (12) وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ. (13) لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا. (14) وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ. (15) مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ.    (لوقا1: 76؛ 7: 24-35، ملاخي3: 23)

 

هنا نجد الثناء العظيم الذي خلعه الرب يسوع على يوحنا المعمدان، ليس فقط تكريماً له بل ايضاً تكريماً لعمله. أدرك المسيح بأن بعضاً من تلاميذه قد ينتهزون فرصة السؤال الذي وجهه يوحنا إلى معلمهم فيظنون بأنه ضعيف ومتردد ومناقض لنفسه. ولمنع هذا نرى المسيح هنا يبين صفاته الحقيقية.

 

عبَّر المسيح عن كامل ثقته بيوحنا المعمدان رغم الشكوك التي خامرته، لأنه أعدَّ طريقه بإخلاص حسب النبوءات، وضحَّى بحياته لله، وعاش بتقشف، ولم يجمع أرباحاً لنفسه. لقد بيَّن المسيح ثقته فيه بشهادة لامعة أمام الجماهير، إذ قال إنه لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا. فلا نابليون ولا قيصر ولا أرسطو ولا أفلاطون ولا بوذا ولا أي نبي آخر هو قمة البشر، بل يوحنا المعمدان وحده.

لماذا صار المعمدان أعظم الرجال؟ لأن الله أعلن له أن المسيح هو حمَل الله، ومعطي الروح القدس للتائبين. فكان يوحنا خاتم أنبياء العهد القديم. مع ذلك خدم وأطاع، سلَّم نفسه للمسيح بلا قيد أو شرط. اعتبر ذاته غير مستحق أن يحلّ سيور حذاء المسيح، أرشد الجماهير إلى يسوع أنه المسيح. رأى يوحنا الروح القدس نازلاً على يسوع في هيئة حمامة، وسمع بأذنيه صوت الله: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت». فكان يوحنا أول شاهد وشهيد لوحدة الثالوث الأقدس، أكثر من موسى وكل الأنبياء الآخرين.

أعلن المسيح وجود أناس أفضل وأسمى من يوحنا، هم أعضاء ملكوت الله المولودين من الروح القدس، فالله أبوهم وهم من أهل بيته، هم الذين برَّرهم المسيح بالنعمة، واصطفاهم ليكونوا سفراءه، واضعاً عليهم خدمة ومسؤولية المصالحة مع الله. فأصغرهم أعظم من كل عظيم جاء ذكره في العهد القديم.

إن الذين يحضرون لسماع الكلمة سوف يوجه إليهم السؤال عن الغاية من حضورهم، وعما استفادوا من الحضور. نحن نظن بأن كل شيء ينتهي بانتهاء العظة، كلا بل أن أهم واجب يبدأ بانتهائها. فإنه بمجرد انتهائها يوجه إلينا هذا السؤال:" ماالذي استفدته من هذه الخدمة؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟ هل أتيت على سبيل العادة؟ أم لمجرد مرافقتك لبعض الخلان؟ أم كان الدافع هو الرغبة في تمجيد الله والحصول على بعض الخير لنفسك؟ ما الذي حصلت عليه؟ أية معرفة أو نعمة أو تعزية؟ "ماذا خرجت لتنظر"؟

هل أصبحت ابناً لله؟ ردِّد هذ الكلمات: أنا عبد باطل، وأخلاقي الطبيعية ملطخة بالخطايا والعيوب، لكن الحمد والشكر لله، دم المسيح غسلني، وروحه القدوس قدَّسني، وأوقد فيَّ نار المحبة. فأنا موقن أن الله هو أبي السماوي، أتكلم معه يومياً، وأُصغي إلى كلمته الحنونة. لقد أصبحت فرداً في ملكوته، وسأظل محفوظاً فيه بقدرته، والموت بالنسبة لي باب يؤدي إلى الحياة الجديدة والخالدة مع أبي السرمدي.

إن اعترفت معنا بهذا الإيمان، في يقين الروح، تكون قد دخلت إلى ملكوت الله بالقوة، واغتصبت لنفسك حق النعمة والنبوة، لأن كل من يؤمن بالمسيح يخلص رغم خطاياه، كما قال يسوع: «إيمانك خلَّصك»

إن أمور الله على جانب عظيم من الأهميّة، وكل "من له أذنان للسمع"، ليسمع أي شيء، خليق به أن يسمع هذا. يُفهم من هذا ضمناً أن الله لا يطلب منا شيئاً أكثر من أن نحسن استعمال المواهب التي سبق أن أعطانا إياها، وننميها. إنه يطلب ممن له أذنان أن يسمع. وممن له عقل أن يتعقّل. لذلك فإن كان الناس جهلاء فليس ذلك لأنهم تنقصهم القوة بل الإرادة. وإن كانوا لا يسمعون فلأنهم يسدون آذانهم كالصل.

 

أيها الآب المحب، أنت أبونا الحق، والمسيح ربنا القدير. نسجد لك وله، ونتهلل لأنك خلصتنا بدم يسوع ونحن عبيد باطلين. حررتنا من سلطة الخطيئة ورهبة الموت، ونقلتنا إلى الحياة الأبدية، وفوضتنا بخدمة المحبة، لندعو كل الخطاة أن يتصالحوا معك، ويؤمنوا بابنك، فيحصلوا على خلاص تام وكامل.

الصلاة:

 

السؤال 115 : لم اعتبر الأصغر في ملكوت الله أعظم مرتبة من يوحنا المعمدان، خاتم أنبياء العهد القديم؟؟

 

 

11: 16 وَبِمَنْ أُشَبِّهُ هذَا الْجِيلَ؟ يُشْبِهُ أَوْلاداً جَالِسِينَ فِي الأَسْوَاقِ يُنَادُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ     (17) وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا! نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا! (18) لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا لا يَأْكُلُ وَلا يَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: فِيهِ شَيْطَانٌ. (19) جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا.

(يو2:2؛ 5: 35، 1كور4: 24-30)

 

تراكضت الجماهير نحو يسوع، ليس بدافع الإيمان، بل بدافع الفضول لرؤية العجائب. كانوا قد انطلقوا إلى البرية من قبل لِلتطلع في يوحنا الغريب، والداعي إلى المعمودية والتوبة، لكنهم لم يرجعوا حقاً عن طرقهم العوجاء، بل استمروا في شرِّهم، انتقدوا يوحنا باستهزاء، لأنه كان زاهداً متقشفاً منادياً بالانكسار القلبي. بعدئذ سَخِرَت الجماهير من المسيح، لأنه كان يأكل ويشرب كغيره، يعاشر الخطاة والغوغائين ليتوبوا ويخلصوا. لقد طلبوا من المعمدان فرحاً ومن المسيح حزناً ولم يدركوا البتة سرَّ دعوتهما، لأنهم تصرفوا كأولاد بفضولية وسطحية وتفاهة.

 

لقد سمَّى المسيح المرائين «أولاداً »، لأنهم لم يدركوا حقيقة الحياة، كانوا يلعبون وينوحون، لم يعرفوا سبب الموت وقيود الخطيئة وعبودية الشيطان، التي انغمسوا في بشاعتها، لم يشتاقوا إلى المسيح وخلاصه، إذ اعتبروا انفسهم أبراراً مستقيمين. أما المؤمنون بالمسيح فعرفوا سر الكون، بأن الله هو مصدر الحياة، وأنه أبوهم قابل التوبة وغافر الذنب ومعطي الحياة الأزلية بابنه يسوع، فيستمدون قوة الروح الإلهي من قراءة الإنجيل، ويعيشون أبديين وسط زوال العالم.

 

إنهم جهلاء كالأولاد، عنيدين كالأولاد، غير مكترثين ويميلون إلى اللهو والعبث كالأولاد، ولو أنهم أظهروا أنهم رجال في الفهم لكان هنالك بعض الرجاء فيهم. أما "الأسواق" التي يجلسون فيها فإنها للبعض مكان للبطالة والكسل، وللآخرين مكان للمشاغل العالمية، وللجميع مكان للصخب أو اللهو واللعب. لهذا فإذا سألت عن سبب عدم انتفاع الناس من وسائط النعمة وجدت أنه لتكاسلهم وغهمالهم وعدم اكتراثهم وعدم الرغبة في تحمل أي عناء، أو لأن عقولهم وأيديهم وقلوبهم يشغلها العالم باهتماماته الكثيرة التي "تخنق الكلمة" ثم تخنق نفوسهم أخيراً. هذه هي حالتهم في الأسواق، وهنالك يجلسون في هذه تتركز عقولهم، وفيها يعتزمون البقاء.

 

وأنت هل تشتاق إلى يسوع منجي الأنام، وتفرح عند سماع إسمه؟ أم لا تزال تابعاً للشيطان الذي يرتجف خوفاً من سماع اسم يسوع؟ هل شعورك متقلب حسب أخبار الجرائد؟ وهل نفسك مُلتصِقة بشاشة التلفزيون؟ أم تحب الله وترغب في الإلتصاق به وتنتظر بشغف وشوق مجيء المسيح ثانية؟؟ أتلعب في هذه الدنيا وتلهو مهتما بجمع حطامها من أموال وذنوب ومبذراً وقتك الثمين؟؟ أم تخضع لمشيئة ملك الملوك، عالماً أن هناك حساب ينتظرك عن كل قرش وثانية صرفتهما طوال حياتك؟ إن المسيح يدعوك إلى ملكوته لتمتلئ بروحه وتتمم مشيئته، وتأتي بثمر كثير.

 

تفسيراً لهذا المثل يُبسط أمامنا نوعا الخدمة المختلفين: خدمة يوحنا وخدمة المسيح اللذين كانا نورين عظيمين لذلك الجيل:

جاء يوحنا نائحاً لا يأكل ولا يشرب، لا يختلط بالشعب ولا يأكل معهم، بل متوحداً في صومعته في البرية، حيث "كان طعامه جراداً وعسلاً برياً". كان من المنتظر أن شخصاً كهذا يكون كافياً لكي يؤثر فيهم، لأن حياة متقشفة صارمة كهذه كانت تناسب جداً تلك التعاليم التي نادى بها، والخادم الذي تتفق أعماله مع أقواله يكون مُنتجاً. مع ذلك فإن تعاليم مثل هذا الخادم ليست منتجة في كل الظروف.

جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، وهكذا زمّر لهم. فالمسيح اختلط بكل أصناف البشر دون أن يراعي أي خطر. كان أنيساً ودوداً للجميع، سهل الوصول للكل، لا يتجنب أية جماعة، يحضر الولائم والأعياد، يختلط بالفريسيين والعشارين لعل هذا يؤثر فيمَن لم يؤثر فيهم تحفظ يوحنا. فالذين لم ترُوعهم عبوسة يوحنا تجتذبهم ابتسامة المسيح، الذي منه تعلم بولس أن يصير "للكل كل شيء" (1كو9: 22). على أن المسيح بحريته لم يدن يوحنا قط، كما أن يوحنا لم يدنه ولو اختلفت وجهة نظر كل منهما تمام الإختلاف.

 

أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك ولدتنا ثانية لمعرفة محبتك، وحّدتنا في ابنك لنخدم الضالين بقوة روحك. إغفر لنا إذا كنا أهملنا دعوتك السماوية، وسيطرت علينا هموم اليوم وخوف العالم. وجّه أبصارنا إلى مجيء ابنك لكي لا نتصرف كأولاد بل نستعد لاستقبال الآتي المجيد.

الصلاة:

 

السؤال 116 :  لماذا شبَّه يسوع الناس في عصره بالأولاد؟

 

 

يسوع يوبِّخ المدن الخاطئة

( 11: 20 – 24 )

 

11: 20 حِينَئِذٍ ابْتَدَأَ يُوَبِّخُ الْمُدُنَ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُّوَاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ: (21) وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُّوَاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيماً فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ. (22) وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكُمَا. (23) وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ، سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُّوَاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ.     (24) وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ.

(يونان3: 6، إشعياء14: 13و15لو10: 13-15)

 

ينقسم المجتمع إلى أناس صالحين وأناس طالحين، وجهاء وغوغائيين، إلى خطاة وأبرار. إن من يملك ويحصل على شهادة عالية، أو منصب مهم في الرئاسة، يعتبر نفسه مرتفعاً متعالياً عن باقي الشعب المسكين والمقهور. أما المسيح المحب للجميع فله مقاييس أخرى مغايرة.

 

يعلِّمنا يسوع في توبيخه للمدن، أن مقاييسنا خاطئة مبدئياً. مثلاً إن مدينتي صور وصيداء كانتا مركزين مهمّين لعبادة الأصنام. وكان الشعب المتديّن يفتخر بأصنامه المتحجِّرة ويتضرع إليها، لعدم معرفته بالله الحي. رغم هذا الجهل وعبادة الأصنام، قال المسيح إن عقاب أهل هاتين المدينتين، سيكون أقل من عقاب أهل المدن والقرى، التي شاهدته وسمعت كلماته ولم تؤمن به ولم تقبله. إن رفض المسيح هو أعظم خطيئة في العالم، لأنه يعني رفض محبة إلهنا ونعمته وخلاصه وغفرانه. والذي يقود في الأخير إلى رفض الآب السماوي بذاته.

 

لا شك أن كل الناس خطاة فاسدون مستحقون الهلاك. لكن دم المسيح يطهّرنا من كل إثم. والروح القدس يغيِّر الهالكين إلى قدّيسين. فويل لكل من يهمل نعمة الله في المسيح، لأن جهنم كشَّرت أنيابها لمن يرفض ابن القدير.

 

إن أكبر ذنب في زمن المسيح ارتكبته كفر ناحوم، مدينة المسيح، التي عمل فيها أغلب عجائبه. غير أن أكثرية سكانها لم تؤمن بابن الله الذي في وسطهم، فلم تؤمن به رغم معاينتها محبته المتجسّدة، وسماعها لكلماته القوية. لم ينوحوا على خطاياهم، فأعلن المسيح قساوة قلوب أهلها، وسمَّاها أنجس من أهل سدوم، الذين أهلكوا في نار غضب الله لنجاستهم. فالديان الأزلي نفسه، أنبأهم بالعقوبة الواقعة عليهم.

 

كان التعليم الأعظم الذي نادى به يوحنا المعمدان والمسيح والرسل هو التوبة. كان القصد الأعظم سواء من التزمير أو النوح هو التأثير على الشعب ليغيروا عقولهم وطرقهم، ويتركوا خطاياهم ويرجعوا إلى الله. وهذا مالم يريدوه.

وبخ المسيح المدن من أجل خطاياها الأخرى لكي يقودها إلى التوبة، ولكن عندما لم تتب ابتدأ يوبخها من أجل هذا لأنها لم ترد بأن تبرأ. ابتدأ يوبخها لكي توبخ نفسها، ولكي ترى أخيراً حماقتها بسبب هذه الخطيئة التي جعلت حالتها مؤسفة وجرحها عديم الشّفاء.

 

ويل لمدننا وشعوبنا إن لم تقبل المسيح، رغم سماعها لكلمة الله عبر الإذاعة والكتب، وعن طريق شهادة المؤمنين الذين في وسطهم. فالدينونة أقرب إليك مما تعلم، والمسيح الديان الأزلي يحذرك، فهل أدركت واجباتك الروحية؟؟

 

أيها الآب القدوس، نسجد لك ونتوب عن مقاييسنا الخاطئة. نطلب غفرانك لقلة وبطء إيماننا. حرّرنا من جمود أذهاننا، وقدِّس نوايانا لنقبل ابنك مع خلاصه، ونمتلئ بروحك، ونشهد صراحة بالدينونة المُقبلة علينا، ليتوب الجميع إليك.

الصلاة:

 

السؤال 117 : لماذا يسمِّي المسيح عدم الإيمان به أنجس من خطيئة سدوم وعمورة؟

 

 

إعلان وحدة الثالوث الأقدس

( 11: 25 – 30 )

 

11: 25  فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَالَ يَسُوعُ: أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ. (26) نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ. (27) كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.

(إشعياء29: 14، لو10: 21-22، يو17: 25، 1كو1: 18-29، فيلبي2: 9)

 

توضِّح لنا هذه الآيات صلاة المسيح الفريدة إلى أبيه السماوي، التي تفتح بصيرتنا إلى عمق قلب يسوع وعلاقته بالله، فنتقدم بتأملاتنا إلى قدس الأقداس في حياة ابن الله، حيث يخضع لأبيه، ونشاهد إحدى مكالماته ضمن وحدة الثالوث الأقدس.

 

بالرغم من حزن الاحتقار، ومرارة الرفض من المحبوبين، يحمد يسوع أباه السماوي أولاً ويشكره. لم ينح أو يولول على هذه المُعاملة السيئة وعلى هذا الرفض، بل آمن بالقيادة الفائقة لضابط الكل، وخضع في إرشاده ومجَّد اسمه القدوس.

لقد خاطب المسيح الله بلقب الآب، لأن يسوع مولود من روحه، وكائن منذ الأزل عنده، ومتَّحِد معه في كل حين، وثابت في محبته دائماً. فالله هو الآب والإبن في الروح، معلناً الإله الواحد.

 

سمَّى المسيح الرب أباه، كما تنبأ داود: «قال الرب لربي إجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك». عرف يسوع أن أباه هو القدير، وأدرك في مشيئته السر المكتوم، أنه حجب أبوته وبنوة يسوع عن المتعلمين والمثقفين في العالم. إن كل المدارس والجامعات والفلسفات والمذاهب، لا تستطيع إدراك وحدة الثالوث الأقدس من تلقاء أنفسها، ولا قبول الخلاص أو حلول الروح القدس. ومما لا ريب فيه، أن المسيح قصد حمل كل الناس إلى السماء. وفضَّل أن يُعلن لهم إسم الآب، لكنه أجاب "نعم" مظهراً الطاعة التامة لأبيه السماوي، ومعارضاً رغباته وأمنياته، فحجب جوهره عن عظماء العالم والمتديِّنين، وسمَّى نفسه ابن الإنسان.

 

إن الشكر جواب لائق للأفكار الأليمة المزعجة، ويمكن أن يكون وسيلة فعالة لتهدئتها، وتسابيح الحمد علاج شاف للنفوس الخائرة، وتعين على الشفاء من الحزن والكآبة. وحينما لا نجد جواباً آخر لبواعث الحزن والخوف فلنلجأ لهذا "أحمدك أيها الآب" لنشكر الله لأن الحالة ليست أسوأ مما هي عليه الآن.

اعترف يسوع، بعد هذا الإنكار الذاتي في صلاته، أنه شريك في قدرة الله. فبما أن الابن أطاع موافقاً على مسَّرة أبيه، دفع إليه أبوه كل سلطان في السماء وعلى الأرض. إن سر هذا السلطان، هو معرفة الله الآب، فليس أحد يعرف الله الآب إلا  الذي يعيش معه وفيه، وينسجم معه في خطة خلاصه ومبادئ دينونته. إن الآب السماوي واحد، وهو صورة محبته ورسم جوهره، فالمسيح وحده يعرف الله، وليس نبي أدرك الخالق في حقيقته إلا الابن، لأنه من جوهره، ويحمل ملء روحه القدوس في نفسه. لم يستطع أحد أن يعرف الله كما هو إلا يسوع، الذي حلَّ فيه كلُّ ملء اللاهوت جسدياً.

هذا السر المزدوج: معرفة الآب والابن، لا يدركه عقل الإنسان ولا يشعر به، إلا إذا فتح الروح القدس عيني ذهنه مُنعماً عليه. لا يستطيع الإنسان الطبيعي الإيمان من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى نعمة الإلهام. فأنت يا أخي، لا تستطيع إدراك الله بمجهوداتك وصلواتك. إن الله هو الذي يأتي إليك ويطلبك، ويعضدك ويملكك. فدعوة يسوع تفتح عينيك الروحية.

 

كانت أسرار الإنجيل الأبدي، ولا تزال، مخفاة عن الكثيرين من "الحكماء والفهماء" الذين اشتهروا بالعلم والحكمة العالمية. فقد كان البعض من أعظم العلماء وأقدر السياسيين أعظم الجهلاء بأسرار الإنجيل. "فالعالم لم يعرف الله بالحكمة" (1كو1: 21) بل إن الإنجيل طالما لقي الهجمات من "العلم الكاذب الإسم" (1تي6: 20)، وأكثر الناس دراية بالأمور الحسية والعالمية أكثرهم جهلا بالأمور الروحية بصفة عامة. قد يغوص البعض في أعماق الطبيعة، ويتعمقون في الشؤون السياسية، لكنهم قد يجهلون أسرار ملكوت السموات، ويتخبطون بشأنها بسبب عدم اختبارهم قوتها.

إن الفرق بين الجهال والأطفال هو من صنع الله، فهو الذي أخفى هذه عن الحكماء والفهماء، هو الذي أعطاهم ذكاء وعلوماً ومعرفة بشرية أكثر من غيرهم فافتخروا بها، واتكلوا عليها، لم يتطلعوا إلى أبعد منها، ولذلك حرمهم الله بعدل من روح الحكمة والغعلان، ومن ثم صار صوت أخبار الإنجيل غريباً عنهم رغم سمعهم إياه. ليس الله هو المنشئ لجهلهم وحماقتهم، ولكنه يتركهم لأنفسهم، فتصبح خطيئتهم قصاصاً لهم ويتبرر الله فيها. ولو أنهم أكرموا الله بالحكمة والفهم اللذين حصلوا عليهما لمنحهم معرفة هذه الأمور الأفضل. ولكن لأنهم خدموا شهواتهم بهما فقد أخفى هذه المعرفة عن قلوبهم.

 

نقرأ أن المسيح يُعلن سر أبوة الله لمن يريده، فهو يريد فعلا أن جميع الناس يخلصون، لكن الناس لا يريدون أن يقبلوا الآب والإبن والروح القدس ويتقسوا بنعمة الله. إن المسيح لا يقدر أن يمنح للناس  ما أعد لأجلهم إذا لم يفتحوا له قلوبهم  ويُحفّوا به.

 

أيها الآب السماوي، نعظمك لأن في حياتك على الأرض أعلنت نفسك في المسيح للبسطاء والأطفال، لم تعلنها للباحثين عن الأسرار والذين يعتقدون أنهم لا يحتاجون إلى التوبة. نشكرك لأنك دعوتنا، فتحت أعيننا وقلوبنا، ومنحتنا المعرفة لحقيقة، الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد. افتح قلوب الكثيرين في بيوتنا ومدارس شعوبنا، حتى لا يتقسوا ويسقطوا في التهلكة.

الصلاة:

 

السؤال 118 : كيف يعرف المسيح الله حق المعرفة، كما أن الله يعرف المسيح؟

 

 

الدعوة إلى الرّاحة في المسيح

(11: 28-30)

 

11: 28 تَعَالَوْا إِلَيَّ يَاجَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. (29) اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. (30) لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ.                             (إرميا6: 16؛31: 25، إشعياء28: 12، 1يو5:3)

 

يدعو المسيح جميع الناس إلى شركة الثالوث الأقدس، لأنه لا راحة لأنفسنا إلا بالثبات في الله الحقيقي. ينادي يسوع الجميع حتى المكتفين في ذواتهم والمستكبرين في نشاطهم، لكنهم لم يلبوا دعوته، إذ أنهم لم يدركوا سبب مشاكلهم و نجاسة قلوبهم. أما المحتاجون النادمون، فهم الذين يلبُّون دعوة المسيح. عجباً كيف أن الأغنياء ورجال الدين والمسؤولين الكبار في الدولة لا يُسرعون إلى المخلص، بل الفقراء والمساكين الفاشلون والخطاة الذين يقشعرون من أنفسهم لكي يسمعوا صوت المعزي، فهل تعرف نفسك ؟ هل سمعت دعوة المسيح المخلِّص الذي يدعو كل الناس؟ إنه صاحب السلطان الوحيد الذي يرفع أثقالنا، يحرّرنا من الخطيئة والمرض، من الشريعة والموت، من الشيطان وغضب الله. المسيح هو المخلّص الوحيد القدير، الذي لا يرفض طالباً واحداً، بل يدعو الكل كي يسرعوا إليه ويُلقوا أثقالهم عليه، ليرفعها عنهم.

 

إن الذين يدعون للراحة في المسيح هم فقط كل الذين يشعرون بالخطيئة كثقل ويئنون تحتها، الذين لا يقتنعون بإثم الخطيئة فقط، بإثم خطيئتهم الشخصية، بل أيضاً تنسحق نفوسهم بسببها، الذين يتألمون حقيقة من أجل خطاياهم، يتعبون من خدمة العالم والجسد، الذين يرون بأن حالتهم محزنة وخطرة بسبب الخطيئة، ينزعجون وينتحبون بسببها.

إن الرب يسوع المسيح يهب راحة أكيدة للنفوس المتعبة التي تتقدم إليه بإيمان حي لطلبها، "راحة " من انزعاج الخطيئة، مع سلام عمق في الضمير. "راحة" من سلطان الخطيئة، مع تنظيم قوى النفس ومنح قوة لضبط النفس. "راحة" في الله، وتلذذ في النفس بمحبته (مز11: 6و7). هذه هي الراحة التي بقيت لشعب الله (عب4: 9) التي بدأت في النعمة وتكملت في المجد.

 

إن دعوة المتعبين والثقيلي الأحمال لحمل نير على أعناقهم يبدو كأنه إضافية ضيق للمتضايقين. على أن هذا التناقض الظاهري يزول حينما نذكر أن المسيح يقول إن هذا النير نيره هو "نيري" وكأنه يقول "أنتم تحت نير يجعلكم متعبين وثقيلي الأحمال، فانفضوا عنكم هذا النير وجربوا نيري الذي يريحكم. قيل عن العبيد إنهم "تحت نير" (1تي6: 1) وكذلك الرعية(1مل12: 10) لذلك فإن قبول نير المسيح معناه أن نرتضي بأن نكون عبيداً ورعية له، ومن ثم أن نتصرّف التصرف اللائق، وذلك بأن نطيع جميع وصاياه من كل القلب، ونخضع بسرور لجميع أحكامه وتصرفاته معنا. معناه أن نطيع إنجيل المسيح ونخضع للرب.

إن قلوبنا شريرة ومحتالة، فلا يكفينا غفران الخطايا. إنما نحتاج إلى قوة مغيِّرة، تخلق فينا حياة جديدة فينا. لهذا يضع المسيح نيره الخاص علينا، لأنه مرتبط مع أبيه في انسجام تام، فيجذبنا إلى شركته لنعيش معه. فإذا آمنّا وسرنا بالقرب من الله تحت نير واحد، نتغير بمحبته ونحصل على راحة الضمير الحقة. لأنه لا راحة إلا في المسيح.

ليس هناك إنسان حر، إما أن يكون عبداً للخطيئة، أو شريكاً في نير المسيح. من يتّحد مع الآب والابن مؤمناً، فيحتم عليه أن يمشي معه بنفس السرعة والهدف. إن المسيح يدرّبنا لنتمثَّل ونكون مثله، ويعلّمنا فضائله. إنه وديع حقاً، إذ سلَّم إرادته لأبيه تماماً، إنه متواضع القلب حيث أخلى نفسه. إذا ارتبطت مع يسوع يحررك من عنادك واستكبارك وبُخلك، ويغيِّرك إلى إنسان جديد، إنسان المحبة، المحبة، فتفلح مع المسيح أرض دنيانا، وتزرع فيها بذور الإنجيل. لكن لا تعمل مستقلاً عن الله من خلال أفكارك واجتهادك، بل تعمل تحت نير المسيح، الذي يوحّدك بالله. هو مزمع أن يروي عطشك إلى البر ويُشبع جوعك للاستقرار الروحي.

 

قال السيد المسيح "تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ." إسأل نفسك هل تريد أن تتغيَّر وتسلك وديعاً مُسلِّماً للمسيح مقود حياتك؟ هل تريد أن تتواضع وتعتبر نفسك أصغر الجميع وأكبر خاطئ غُفرت له خطاياه؟ عندئذ سيمنحك المسيح سلامه وراحة مسرَّته ما دمت معه تحت نير واحد.

 

إنه وديع وقادر أن يترفق بالجهال الذين قد يحتد عليهم الآخرون. كم من معلمين مقتدرين تراهم حادي الطبع ومتعجلين، الأمر الذي يثبط عزائم المتباطئ الأذهان. أما المسيح فيعرف كيف يحتمل أمثال هؤلاء، ويفتح أذهانهم. لقد كانت تصرفاته مع تلاميذه الإثني عشر عينة لهذا. لقد كان وديعاً طويل الأناة نحوهم، خلق منهم شخصيات غاية في السمو. ورغم ما بدأ منهم من عدم الإكتراث والتناسي فإنه لم يكن يتطرف في إظهار غباوتهم.

 

إن الطريق الوحيد والأكيد لنجد راحة لنفوسنا هو الجلوس عند قدمي المسيح والإستماع لكلمته. إن الفهيم يجد راحة واطمئناناً كاملاً في معرفة الله ويسوع المسيح، لأنه يجد في الإنجيل الحكمة التي طالما بحث عنها في كل الخليقة، إننا نعرض نفوسنا  لخطر جسيم إذا ما تركنا الحقائق التي يعلمها المسيح.

هذه هي خلاصة دعوة الإنجيل وهباته، هنا يخبرنا الإنجيلي في كلمات قصيرة ماذا يطلبه منا المسيح، وهو يتفق مع ما قاله الله عنه مراراً وتكراراً:"هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا".

 

أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك لأنك دعوتنا، فإننا نسرع إليك ملتمسين منك غفران آثامنا. نعظّمك لأنك رفعت أثقالنا وأعلنت لنا اسم الآب، وجعلتنا أولاداً له، وتغيّرنا إلى فضائلك، لكي نمشي معك ونثبت فيك. ساعدنا لكي لا نفارقك، بل نتبعك في كل حين حتى تغيّرنا إلى صورتك المتواضعة الوديعة.

الصلاة:

 

السؤال 119 : ما هو نير المسيح الخاص الذي يحمّلنا إياه؟

 

 

 

التلاميذ يقطفون السّنابل يوم السبت

( 12: 1-8)

 

12: 1  فِي ذلِكَ الْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِي السَّبْتِ بَيْنَ الّزُرُوعِ، فَجَاعَ تَلامِيذُهُ وَابْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ. (2) فَالْفَرِّيسِيُّونَ لَمَّا نَظَرُوا قَالُوا لَهُ: هُوَذَا تَلامِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لا يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السَّبْتِ!  (3) فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ،(4) كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللّهِ وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلا لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ؟ (5) أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟ (6) وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ! (7) فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لا ذَبِيحَةً لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ! (8) فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً.

 (خر20: 10، لا24: 9، 1صمو21: 7، هوشع6:6، مر2: 23-28، لو6: 1-5)

 

جاع تلاميذ المسيح لأنهم كانوا فقراء الحال لا ثروة لهم، لأنهم كانوا يصلّون إلى أبيهم «خبزنا كفافنا أعطنا اليوم». كانوا متّكلين على الله وعنايته اليومية، مؤمنين أنه يصيّر قلوب الناس جداول المياه.

 

عندما كان التلاميذ ينتظرون عطايا الله، قطفوا، بسبب جوعهم، بعض السنابل من الحقول. إن هذا لا يُعدُّ سرقة، لأن شريعة العهد القديم أجازت في حال الجوع أخذ الضروري من الطعام. لكن الجَمْع في الجيوب والأوعية هذا الذي يُعتبر سرقة. أما في العهد الجديد، فيستحسن أن لا نلمس البتة ما هو للآخرين.

 

لم يشتك الفريسيون على التلاميذ لأجل قطف السنابل، بل لأنهم أخذوها في يوم السبت وفركوها، فحسبوا هذا العمل حراماً وتعدّياً على راحة وقداسة السبت، ومستحقاً الموت. كان حفظ يوم السبت من أعظم الرموز التي تربطهم لعهدهم مع الرب الذي فصلهم وميزهم عن سائر الشعوب.

لكن المسيح وبحكمته بيَّن لهم بسرد أمثلة عن داود والكهنة، أن وصيَّة محبة الله والناس أعظم من حفظ وصية السبت. بهذا شبَّه تلاميذه بكهنة وملوك، لأن هؤلاء المساكين بالروح هم في الحقيقة ملوك وكهنة لله، وينتمون إلى العهد الجديد الذي له أحكام متغيرة عن سابقه. هكذا سمَّى المسيح نفسه رب السبت، لأنه أتى بشريعة جديدة هي شريعة المحبة. يعلّمنا المشرِّع السماوي في هذه الشريعة أن الإنسان لا يتبرر بحفظ الوصايا، بل بنعمة دم حمَل الله وحده. إن تعاليم المسيح تحرّرنا لنخدم بمحبة وفرح حتى في يوم السبت. فالمحبة هي التي تقدّسنا.

 

إن العلامة البارزة أن المسيحيين ليسوا تحت كابوس الشريعة وأحكامها، هي حفظهم ليوم الأحد بدلا من يوم السبت، اليوم الذي قام فيه المسيح من قبره منتصراً على الموت. إن الأحد هو رمز الحياة الإلهية، الظاهرة في قيامة المسيح، وهو خدم في نفس الوقت بل صك حريتنا من متطلبات شريعة موسى. نحن نعلم أننا لا نتبرر بحفظ السبت ولا الأحد، لأنه ملعون من يقصد التبرير بالشريعة، لكن من يشترك في حياة المسيح يحيا ويتقدس في كل يوم ويدوم إلى الأبد، فليست الأيام هي المقدسة، في المسيحية، بل المؤمنين ذاتهم هم المقدسون. إن المسيح لا يقدس الأوقات والأزمنة، بل يقدس أتباعه حتى يسلكوا وهم قدّيسون كل أيام الأسبوع وليس في يومي السبت أو الاحد.

 

أيها الآب السماوي، نشكرك من صميم قلوبنا، لأنك قدستنا وحررتنا من العبادات الشّكلية. مجداً لك لأنك معنا كل يوم في وسط أعمالنا. تملأ ساعات حياتنا بمحبتك. ساعدنا لكي تتبلور قوة قيامة ابنك في حياتنا كي نسلك في جدة الحياة أحياء إلى الأبد. آمين .

الصلاة:

 

السؤال 120 : كيف يكون المسيح رباً ليوم السبت؟

 

 

شفاء اليد اليابسة يوم السبت والتشاور على قتل يسوع

( 12: 9-21)

 

12: 9 ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى مَجْمَعِهِمْ، (10) وَإِذَا إِنْسَانٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ، فَسَأَلُوهُ: هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ؟  لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. (11) فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَ هذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟ (12) فَالإِنْسَانُ كَمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْخَرُوفِ! إِذاً يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ! (13) ثُمَّ قَالَ لِلإِنْسَانِ: مُدَّ يَدَكَ فَمَدَّهَا. فَعَادَتْ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى.                                 (مر3: 1-6؛ 14: 3-5،  لو6: 6-11)

 

تربَّص الفريسيون بالمسيح لأنه اعتبر المحبة العاملة أفضل من الحفظ الشكلي للطقوس والشرائع، لم يفتحوا قلوبهم لروح المسيح كي يدركوا قصده السامي. إن المتعصِّب والمتمسِّك بتقاليد طائفته، لا يستطيع عادة إدراك الحقيقة كما هي، فيَصِل إلى درجة أن يعامل الحيوان أفضل من الإنسان.

 

أفحم المسيح بحكمته، كمشرع للشريعة، جموع الأصوليين وأراهم من خلال أمثلة عملية من وسط الحياة أنهم مراؤون، وأن الشريعة تسمح حتى في يوم السبت بخدمات المحبة والحياة. إن المحبة القدوسة أعظم من السبت، وأعظم من التمييز بين عمل المحبة وحفظ السبت التقليدي. أمر المسيح الرجل المريض أن يمد يده، فآمن بكلمة يسوع وأطاع صوته، فمدَّ يده وأصبح قادراً على تحريك أصابعه، ثم رفع يده ليمجد الله واستخدمها لكسب قوته اليومي وكسوته بعد أن كانت مشلولة لا حياة فيها. إن المسيح يمنح عطاياه للمساكين كما كان من قبل. ونتيجة شفائه من المرض مجد المتعافي ربه، وجميع الذين راقبوا هذه المعجزة سبحوا رحمة الله، باستثناء المتدينين الذين تمسكوا بحرفية الشريعة ولم يدركوا معانيها المُفرحة ولم يشتركوا في الفرحة العامة، بل حلَّت الضغينة على قلوبهم، لأن المسيح أبرز رياءهم، وكشف نوايا قلوبهم أمام الجميع. اجتمع هؤلاء المتدينون وأصدروا قراراً بضرورة قتل يسوع الناصري الذي أصبح يشكل خطراً عليهم؛ على مركزهم الديني وعلى احترام الناس لهم. فضلوا حفظ شريعتهم حسب تفاسيرهم عن عمل الخير والإحسان، فأخطأوا في هدف وغاية الشريعة ألا وهي محبة الله القدوسة.

لم يتخذ الأصوليون قرار قتل المسيح فحسب لأنه قَبِل ألقاباً مميزة "ابن داوود" أو "ابن الله" أو حتى "الرب"، بل لأنه شفى المريض يوم السبت كشف على اضمحلال شريعتهم وإشراق عهد جديد، عهد المحبة الحقيقية.

في أيامنا هذه، يقف المرء متسائلا باستمرار عما هو "حلال وحرام؟" ما هو صحيح وما هو باطل؟ إننا لا نجد في الكتاب المقدس جوابا كافياً شافياً على كل سؤال. فكل مؤمن يحتاج إلى روح التمييز وروح المحبة والإستقامة، ونسأل الرب يسوع أن يعطينا جواباً على أسئلتنا لنتبعه في خطواته حتى إذا لزم الأمر معارضة الآراء السائدة في العائلة لننفذ إرادة المسيح في سبيل المحبة.

 

لم يَخْشَ المسيح أعداءه، بل كشف عن خبثهم وغبائهم، طلب منهم قليلاً من التفكير، لأن لا أحد منهم يتأخر عن إنقاذ خروفه إذا سقط يوم السبت في بئر، لأنه سيعمل المستحيل على إنقاذه. فالإنسان من حيث كيانه أفضل جداً من أفضل الحيوانات غير الناطقة وأكثر قيمة. فالإنسان خليقة عاقلة، قادر على معرفة الله ومحبته وتمجيده، ولذلك فهو أفضل من الخروف, لهذا فإن ذبيحة الخروف لا يمكن أن تكفِّر عن خطيئة النفس.

 

أيها الأب السماوي، نعظمك لأنك حررتنا من جمود الشرير لخدمات المحبة، فالمسيح فسر لنا عبادتك من خلال معاملاته. ساعدنا كي نعرف في كل حين ماهي إرادتك، ما هو الحق والباطل، حتى نسلك في خطوات ابنك الحبيب.

الصلاة:

 

السؤال 121: لماذا حكم المتدينون على المسيح بالموت؟

 

 

12: 14 فَلَمَّا خَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ، (15) فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعاً. (16) وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ، (17) لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: (18) هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ. (19) لا يُخَاصِمُ وَلا يَصِيحُ، وَلا يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ.   (20) قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لا يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ.     (21) وَعَلَى اسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ.

 (إشعياء42: 1-4، مر3: 12، لو6: 17-19، أعمال3: 13-26)

 

حكم المتدينون على المسيح بالموت، لأنه برهن أن عمل المحبة هيمن ونسخ  تفسيرهم للتوراة، فشعروا كأن السماء تقتحم دنياهم الضيقة. لم يستطيعوا مواصلة الكفاح بالمنطق، فلجأوا إلى العنف. إن أعداء الله، منذ بداية عمل يسوع رفضوه وقرروا إبادته.

تراجُع المسيح ليس خوفاً من الموت ، لكن ساعته لم تأتِ بعد، إذ كان لا يزال في برنامجه أعمالاً جليلة ليتممها. منذ هذا الوقت، عاش المسيح مُضطهدا ومنعزلاً. خدم على انفراد بهدوء وبلا ضجيج. شفى بكلمته القوية المرضى، الذين جاءوا إليه بإيمان واثقين بقدرته أنه المنقذ الرحيم. لم يطلب شهرة لنفسه، إذ منع المشفيين من أن يذكروا إسمه لكي لا يتهافت عليه الفضوليون لمشاهدة العجائب والآيات والإيمان بها دون أن تتحرك قلوبهم ومشاعرهم. طلب يسوع الجياع إلى البر والمشتاقين إلى الصفاء الروحي، وأما المتعصّبون السطحيون فلم يجدوا فيه عوناً أو تعزية.

إن كان الحكماء والصالحون يطمعون في عمل الخير فإنهم لا يطمعون في أن يتحدث عنه الناس، لأنهم لا يسعون إلى مدح الناس بل إلى رضاء الله. وفي وقت الآلام والإضطهاد إن كان يُطلب منا أن نستمر في تأدية واجبنا بكل جرأة وشجاعة إلا أننا ينبغي أن نتحين الفرص المناسبة لتأديته بحيث لا نزيد اشتعال غضب من يتحينون الفرصة ضدنا أكثر من اللازم "كونوا حكماء كالحيات".

يُعتبر المسيح أنه هو لطف الله، الوديع والمتواضع، لأنه مولود من روح الله. لقد تنبأ عنه إشعياء قبل ولادته ب 700 سنة، أن الله سيرسل إلى العالم فتاه الحبيب، الذي يثبت في مسرته ممتلئاً بروحه. إن في تواضع المسيح ولطفه ندرك أشعة من وحدة الثالوث الأقدس، لأن الله وروحه وابنه يتحدون معاً لهدف وغاية واحدة ألاَّ وهي نشر الحق والمحبة في كل العالم.

 

لم يخاصم المسيح من أجل حقه، ولم يصرخ على عدوّه بصوت عالٍ ليُخرسه، بل ترك، لمن سأله، ثوبه والرداء أيضاً. بارك مضايقيه، وأحب أعداءه. إذا وجدت شرارة رجاء في بائس، شجِّعْهُ إلى إيمانٍ خالٍ من الخوف والشك، فقوة نصرته الروحية تمتد إلى كل الشعوب، ونوره يخترق ظلماتنا. نعرف أنه سينتصر أخيراً، لأنه أسس دعائم انتصاره على الصليب. فانتصاره كنهر عريض يروي صحراء دنيانا. المسيح هو الرجاء الوحيد لعالمنا المضطرب.

 

حقد اليهود على يسوع، ليس لأنه انتقد تمسكهم بتقليد السبت، بل لأنه قدم محبته للأمم وفتح باب الخلاص على مصراعيه للجميع بعدما كان مُغلَّقاً في وجههم. فليس المسيح بالعنصري والمتطرف الذي يفضل جنساً أو عرقاً على آخر، بل خدم الجميع وأحبهم بالتساوي وبذل نفسه فداءهم. غضب اليهود على  محبة المسيح الخالصة معتقدين أن عهدهم مع الرب و مصالحتهم معه تتوقف عليهم وحدهم، وكل من يتخطى أو يتجاوز هذه الحدود يجب رجمه.

 

أيها الآب، نشكرك لأنك أعلنت نوعية ألوهيتك في يسوع، وأكملت برَّ العالم على الصليب. نسجد لك بهتاف، ونلتمس منك وداعة محبة ابنك، كيلا نتخاصم ونصرخ، بل نسلّم إليك كل مشاكلنا. نعيش في ثقة كاملة، ونختبر أنك ترشدنا لخدمات تبشيرية رغم مُضايقينا.

الصلاة:

 

السؤال 122: بماذا تنبَّأ النبي إشعياء عن يسوع في الأصحاح ( 42: 1-4) ؟

 

 

التجديف على الروح القدس

( 12: 22-37)

 

12: 22 حِينَئِذٍ أُحْضِرَ إِلَيْهِ مَجْنُونٌ أَعْمَى وَأَخْرَسُ فَشَفَاهُ، حَتَّى إِنَّ الأَعْمَى الأَخْرَسَ تَكَلَّمَ وَأَبْصَرَ. (23) فَبُهِتَ كُلُّ الْجُمُوعِ وَقَالُوا: أَلَعَلَّ هذَا هُوَ ابْنُ دَاوُدَ؟  (24) أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: هذَا لا يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ.

(مر3: 22-37، لو11: 14-23، يو7: 42)

 

أعلن المسيح سلطانه تدريجياً، فلم يكن مرض الأخرس الأعمى الذي قدموه إليه طارئاً، بل نتيجة استعباد الأرواح النجسة له. مع ذلك فقد نال الشفاء بكلمة يسوع الصادرة منه بمحبة وحنان، حالما جاءوا به إلى المسيح المنتصر القدير. إن كل روح عدا الروح القدس يُهلك الإنسان ويضعفه. وهذا يحدث نتيجة التقوى المزيفة. كان الفريسيون متدينين إلى درجة مبالغ فيها، إذ وصلت بهم تقواهم إلى إرضاء الله بقوتهم وقرابينهم وتدقيقهم المبالغ في القوانين، فقدوا الحس تجاه البسطاء والمساكين، وانفتحوا للإستكبار الروحي، وهو روح الشيطان بالذات. لأنه من يظن نفسه صالحاً أكثر من الآخرين، يكون بالحقيقة أعمى وغير مدرك لخبثه الخاص، لكن من ينل من يسوع بصيرة روحية، ينسحق ويتب، يتحرّر كلياً من كبريائه.

 

كان الفريسيون يدعون أنهم أكثر علماً بالناموس وأكثر غيرة عليه من سائر الشعب، ومع ذلك كانوا ألد الأعداء للمسيح وتعاليمه كانوا يفخرون بما حصلوا عليه من شهرة بين الشعب. وهذه قد زادت من كبريائهم، وعظمت سلطتهم، وملأت جيوبهم. وحينما سمعوا الجموع يقولون "ألعل هذا هو ابن داود" اغتاظوا من هذا جداً أكثر من غيظهم من المعجزة نفسها، فإن هذا جعلهم يغارون من المسيح، وبالتالي أدركوا أنه كلما ازداد احترام الناس له نقص احترامهم لهم بطبيعة الحال، لذلك حسدوه كما حسد شاول داود بسبب النشيد الذي تغنت له به النساء (1صم18: 7و8).

شعر الشعب البسيط المتواضع أن يسوع هو ابن داود المسيح الموعود. لكن الفريسيين لم يفرحوا بشفاء الأعمى الأخرس، بل شتموا المسيح واتهموه بأنه متعاهد مع رئيس الشياطين. وصاروا بممارسة برِّهم الناموسي قُساة القلوب، فظنوا أنهم يخدمون الله، بينما كانوا معارضين لروحه القدوس. كانت حياة  الإيمان فيهم مقدسة وكان لهم إخلاص للشريعة، لكن هذا الإيمان والإخلاص كانا يفتقدان للمحبة والرحمة. فأصبحت عبادتهم كلها شيطانية، لأن إبليس يحول نفسه إلى ملاك النور بينماهو رئيس الظلمة بالذات.

 

أيها الآب السماوي، نشكرك من صميم فؤادنا، لأن ابنك يسوع شفى كل المرضى، الأخرس، الأعمى، المجنون . . . ما أعظم قدرة محبتك. اغفر لنا إذا كنا لم نتألم مع الآخرين في ضيقاتهم وأحزانهم، اجعلنا أن لا نفرح في قمة غضبهم وانزعاجهم. املأنا بالمحبة حتى نشعر بحاجات زملائنا ونستمد منك قوة وعوناً لأجلهم. ارحم الشعب الأخرس والأعمى روحياً، لأنه حلت فيه أرواح نجسة وقليلون هم الذين  يبالون بحالتهم الروحية. أعنَّا على مساعدة الآخرين وتشجيعهم.

الصلاة:

 

السؤال 123: لماذا اتهم المتدينون من اليهود يسوع بأنه يخرج الأرواح بمساعدة رئيس الأبالسة؟

 

12: 25 فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَثْبُتُ. (26) فَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُخْرِجُ الشَّيْطَانَ فَقَدِ انْقَسَمَ عَلَى ذَاتِهِ. فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟ (27) وَإِنْ كُنْتُ أَنَا بِبَعْلَزَبُولَ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يُخْرِجُونَ؟ لِذلِكَ هُمْ يَكُونُونَ قُضَاتَكُمْ! (28) وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ اللّهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللّهِ! (29) أَمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ الْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ الْقَوِيَّ أَّوَلاً، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؟ (30) مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ.                               (إشعياء49: 24، مر9: 40، 1يو3: 8)

 

إن المسيح يعلم ما نفكر فيه في أي وقت، يحاول أن يوضح لمبغضيه أن اتهامهم له بالتعاون مع رئيس الشياطين قول تافه، لا أساس له من الصحة. فقدم لهم أربع أدلة منطقية ليفتح بها أذهانهم. فالمسيح لم يرفضهم أو يبغضهم أو حتى يلعنهم بل تقرب منهم ليوضح لهم ويفتح أعين قلوبهم.

 

كانت إجابة المسيح على هذه التهمة قوية ومقنعة لكي يسد كل فم بالحجة والبرهان قبل أن يسد بالنار والكبريت. نرى المسيح هنا يؤكد سخافة هذا التفكير، أمر غريب جداً وغير قابل للتصديق مطلقاً أن يخرج الشيطان بمحالفة كهذه، إذ يترتب عليها أن مملكة الشيطان تصبح "منقسمة على ذاتها" وهذا أمر لا يمكن تصوره نظراً لدهاء الشيطان الشديد.

 

هنا تبسط امامنا قاعدة معروفة، وهي أن الخراب العام في كل الجماعات هو نتيجة الإنقسامات المتبادلة "كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب" وكذلك كل أسرة. قال أحد الحكماء "تبقى الأسرة قوية والجماعات ثابتة طالما كانت العداوات والإنقسامات لا تقوض أركانها". إن الإنقسامات تنتهي عادة بالخراب. إذا تصادمنا نتحطّم، وإذا انقسمنا بعضنا على بعض أصبحنا فريسة سهلة للعدو المشترك. وبالأحرى "إذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضاً فانظروا لئلاَّ تفنوا بعضكم بعضاً" (غلاطية5: 15).

أوضح المسيح للجمهور أن البيت المنشق على ذاته لا يدوم، فلا يخرج الشيطان شيطاناً، وإن إخراج الآخرين للأرواح النجسة باسم رب الأحد لم يكن بمعية ومساعدة من رئيس الأبالسة.

 

أظهر لهم المسيح أنه قادر على ربط الأرواح النجسة وطردها بصفة نهائية، لأنه أقوى منهم ومن رئيسهم. أعلن لهم المسيح أن إخراجه للشياطين بقوة روح الله يدل على اقتراب ملكوت السموات. فكل من يُفكر ويعقل يستطيع أن يفهم ويدرك، ومن يدرك يستطيع أن يتيقن. غير أن المتدينين كانوا ملبوسين من الأرواح الشريرة، كما كانت قلوبهم مُتحجّرة ومتقسّية على المخلص الوحيد، لهذا لم يدركوا أقوال المسيح ولم يحصلوا على خلاصه ورحمته.

إن أرواح جهنم واحدة حتى لوظهرت مختلفة في أوروبا وآسيا أوأفريقيا. قد تفسد في أميركا بطريقة مغايرة لإفسادها في الشرق الأوسط. وأحياناً تتحارب المذاهب والأحزاب الشيطانية معاً، لكنها بالحقيقة تشترك في خراب أنفس الملايين وإهلاكها، منشئة فيهم حب المال والشهوات الدنسة والحروب المبيدة. هدفها في كل هذه البلايا تقسّي القلوب ضد روح الله، ودمار الضمائر.

 

أبصر البشير يوحنا، في رؤية، صورة الشيطان الذي له سبعة رؤوس، وكل رأس يتكلم بلسان وكذبة خاصة. غير أن كل الرؤوس كانت منسجمة ومتحدة ضد المخلص يسوع. للأسف يحاول بعض الناس شفاء أنفسهم عن طريق الإتصال بالأرواح الرديئة التي لا تعود بالنفع لا عليهم ولا على أقربائهم. بيد أن هذا الإتصال لا يعني تحرراً حقاً، لأن الإنسان الذي يذهب إلى العرَّافين أو ضاربي المندَل أو السّحَرة، لا يتحرر ولا يحصل على العون، بل يرتبط في أعماق باطنه أكثر، ويصبح من مواطني جهنم.

أما المسيح، فبروح الله القوي، يربط ويخرج أرواح جهنم من الملبوسين. الحمد لله لأنه توجد قوة أقوى من كل السلطات السُّفلية والإرتباطات في المذاهب المضلة، وهذه القوة العظمى هي الله بالذات في الروح القدس، الذي يمجد المسيح ودمه. إن هذا الروح الطاهر يؤكد لنا أن المخلِّص يسوع قد غلب الشيطان وأتباعه على الصليب وجرَّده من سلطانه. فالمسيح هو المنتصر الفريد، ومن يلتصق به يتحرر من قيود الخطيئة وادعاءات جهنم، ويُحفظ من تأثيرها إلى الأبد. ويرمز تحرير الملبوسين إلى اقتراب ملكوت السموات.

إن سلطان المسيح أعظم مما ندرك، لأنه يملك اليوم في السماء وعلى الأرض، يخلّص أفراداً وأفواجاً في كل القارات. آمن معنا أن يسوع قد غلب كل روح شرير في أُمَّتنا، ويحرر كثيرين من سلاسلهم، وينجِّيهم من البُخل والدعارة والتعصُّب والاستكبار، ليخضعوا له بفرح واطمئنان.

كان القصد من إنجيل المسيح أن يحطم بيت الشيطان الذي حفظه في العالم كشخصية قوية، ان يحول البشر "من ظلمات إلى نور" من الخطيئة إلى القداسة، من هذا العالم إلى عالم أفضل، "من سلطان الشيطان إلى الله" (أعمال26: 18)، أن ينقل ملكية النفوس.

انتزع المسيح السيف من يد الشيطان حينما أخرج الأرواح النجسة بكلمته، لكي ينتزع منه سلطانه. تعلمنا تعاليم المسيح كيف نفسر معجزاته، فعندما بيّن كيف استطاع إخراج الشياطين من أجساد البشر بكل سهولة واقتدار فإنه بذلك يشجع كل المؤمنين لكي يثقوا بانه مهما اشتدت قوة الشيطان التي يعبث بها في نفوس البشر فإن المسيح بنعمته يستطيع أن يربطه. عندما رجعت الأمم من عبادة الأوثان إلى عبادة الله الحي، عندما تبرر وتقدس بعض من أشر الخطاة وأصبحوا من أعظم القديسين، حينئذ نهب المسيح بيت الشيطان. وسوف نرى أنه سينهبه أكثر فأكثر.

 

يُفهم ضمنياً أن هذه الحرب المقدسة التي شنها المسيح بعنف ضد الشيطان ومملكته كانت بحيث لا تسمح بالحياد "من ليس معي فهو عليّ) لقد تعلمن