الجزء الخامس

آلام المسيح وموته

(26: 1-27: 66)

(انظر: مر14-16، لو22-24، يو18-21)

         

نبوة يسوع عن موته

(26: 1-2)

482

التشاور ضد يسوع

(26: 3-5)

484

تكفين المسيح

(26: 6-13)

485

خيانة يهوذا

(26: 14-16)

487

تحضير الفصح

(26: 17-19)

488

إعلان الخيانة المقبلة

(26: 20-25)

489

العشاء الرباني الأول

(26: 26-29)

491

نبوات المسيح في طريقه إلى جثسيماني

(26: 30-35)

493

دعاء المسيح في جثسيماني

(26: 36-38)

494

صراع يسوع في دعائه

(26: 39)

496

صلوا لكي لا تدخلوا في تجربة

(26: 40-41)

497

خضوع يسوع لمشيئة أبيه

(26: 42-46)

498

القبض على يسوع

(26: 47-50)

499

شفاء أذن المهاجم على يسوع

(26: 51-56)

501

الحكم على يسوع أمام المحكمة الدينية

(26: 57-68)

502

بطرس ينكر المسيح

(26: 69-75)

506

إثبات الحكم ضد يسوع في المجمع الاعلى

(27: 1-2)

507

نهاية الخائن

(27: 3-5)

508

تحقيق النبوة عن ثمن الخيانة

(27: 6-10)

510

يسوع أمام المحكمة المدنية "الرومانية"

(27: 11-14)

511

إختيار الثائر وطلب صلب يسوع

(27: 15-23)

512

لعنوا ذواتهم وأولادهم

(27: 24-26)

515

استهزاء الجند الروماني

(27: 27-30)

517

سمعان القيرواني يحمل صليب المسيح

(27: 31-34)

518

القدوس يصلب بين لصين

(27: 35-38)

519

التجديف الرسمي على المصلوب

(27: 39-44)

521

غضب الله المسلط على المصلوب

(27: 45-50)

523

الأحداث الغريبة عند موت يسوع

(27: 51-53)

526

شهود عيان على موت يسوع

(27: 54-56)

528

دفن المسيح

(27: 57-61)

530

ختم القبر وحراسته

(27: 62-66)

531

 

 

نبوة يسوع عن موته

(26: 1-2)

 

 

26: 1 وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ كُلَّهَا قَالَ لتَلامِيذِهِ:(2) تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ.                            (تك12: 1-20، متى20: 18)

 

كل من يرغب في معرفة عظمة الإنجيل حسب البشير متى، عليه الإدراك أن يسوع هو الرب الملك الديان في دينونة العالم، وكل السلطان والأنفس بين يديه. فللعجب لا يُهلك البشر يسوع كطاغية بلا مبالاة، بل مات أولاً بذاته كحمل الله كفارة عن جميع الخطاة. إن عظمة الفداء الإلهي تفوق إدراكنا، وبر الله يثبت في الخطاة التائبين المؤمنين. مات الملك ليؤهلهم للدخول إلى رحاب ملكوته لكي لا يهلك كل من آمن به.

حاول يسوع جذب أمته الضالة بجمرة محبته، فأقواله كانت ممتلئة بالسلطان والقداسة، وأعماله أظهرت رثاءه ورحمته. بعدما أكمل أقواله وتعاليمه ومعجزاته ابتدأ بمرحلة جديدة في حياته، ودخل سبيل الموت عمداً وقصداً. فخدمته كمبشر شافٍ قد انتهت وابتدأت خدمته للمصالحة بين الله والناس، والغريب في الأمر أنه خلال فترة وجيزة "24 ساعة فقط" أكمل خلاص العالم. لعل هذا الحدث الفريد، الذي هو أهم تاريخ في العالم، قد تم في 13 نيسان (أبريل) سنة 28م#

 

كان الفِصح عيداً لذكرى تحرير شعب العهد القديم من عبودية الفرعون رعمسيس الثاني الطاغية، الذي لم يسمح للفعَلة العبيد أن يمارسوا عيدهم مع الله في البرية، فجاء ملاك الرب المُهلك، وقتل كل بِكر في مصر من الناس والبهائم. لم يكن أولاد إبراهيم أفضل من الآخرين، لكنهم آمنوا بقدرة حَمَل الله المذبوح، واحتموا بدمه وتقووا بأكل لحمه، فنجوا من غضب الله ودينونته. منذ ذلك الوقت، احتفلوا بعيد الفِصح ليذكروا مرور غضب الله عنهم.

 

أكمل المسيح معنى هذا العيد القديم، فملأه بأفكار جديدة عن فداء العالم أجمع. لقد أصبح بنفسه الذبيحة الكفارية، التي خلَّصت البشر كلهم من غضب الله المار عن الذين يتحدون مع الذبيح الإلهي بإيمانهم.

كان المسيح يعرف ساعة موته مسبَقاً كما أنبأ بها الأنبياء محوراً للتاريخ، وعرف أيضاً كيفية وفاته: إن اليهود المتعصبين سيسلّمونه إلى أيدي الأمم، الذين سيعلّقونه على خشبة العار، وهو الملك القدوس الحق والدّيان.

 

يظهر في هذا التطور السلبي أن الهيئات الشرعية أخطأت الحق في قراراتها، لأنها لم تدرك جوهر المسيح ولم تؤمن به، فحكمت على البار وأرادت إبادته. فلا تتبع الرأي العام، ولا تحكم على إنسان ما، بل تدقّق وتحقّف من خلال سلوكه وكلامه، كما قال يسوع "من ثمارهم تعرفونهم" وتقبل الخادم الأمين وتحافظ عليه حتى ولو رفضه الجميع.

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع الملك الديان، نعظمك لأنك أكملت تعليمك ومعجزاتك قبل توجهك نحو الصليب. لم تهرب بل أكملت خدمتك كحمل الله، وفديت العالم المظلم. نشكرك لأنك ذبيح الفصح الحقيقي لكي تحفظ من غضب الله على عصياننا إذا آمنا بك. نشكرك كل الشكر لتواضع محبتك ولأنك أكملت طريق حمل الله لأجل خلاص كل من يلتجئ إليك.

 

السؤال 234: مامعنى الفصح؟

 

التّشاور ضد يسوع

(26: 3-5)

 

26: 3 حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَشُيُوخُ الشَّعْبِ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ الَّذِي يُدْعَى قَيَافَا، (4) وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يُمْسِكُوا يَسُوعَ بِمَكْرٍ وَيَقْتُلُوهُ. (5) وَلكِنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ فِي الْعِيدِ لِئَلا يَكُونَ شَغَبٌ فِي الشَّعْبِ.                                               (لو3: 1-2)

 

تمت من قبل مشاورات كثيرة على حياة المسيح. أما هذه المؤامرة فقد ازدادت إحكاماً لأن الرؤساء اشتركوا فيها. اشترك فيها "رؤساء الكهنة" الذين كانوا يترأسون الشؤون الكنسية، و"شيوخ الشعب" الذين كانوا يقضون في الشؤون المدنية، "والكتبة" الذين كانوا بمثابة مرشدين لهؤلاء وأولئك إذ كانوا معلمي النّاموس. ومن هؤلاء كان يتشكل السنهدريم، أو المجلس العظيم الذي يحكم الأمة. وهؤلاء تآمروا على المسيح.

 

أبغض زعماء اليهود المسيح لأنه بكَّتهم على ريائهم وذنوبهم، وطلب منهم تغيير أذهانهم والتوبة الحقة والإيمان بشخصه، بينما هم لم يعتبروه ابن الله بل مجدّفاً. هم حسدوه حقداً لأن الجماهير تبعته والعجائب شهدت لقدرته الكبيرة، فاغتاظوا في قلوبهم، وسمُّوه مُضلاً شيطاناً، وصمّموا على قتله سراً، خصوصاً بعدما كشف للكتبة والفريسيين رياءهم. اغتاظوا واجتمعوا في بيت رئيس الكهنة قيافا المدَّعي العام ليتشاوروا على خطة ماكرة لإبادته، دون أن يلاحظ الشعب قتله.

 

عرف المسيح هذا التآمر السري فاختفى عنهم، لأنه قصد أن يموت في الساعة المعيَّنة من عيد الفِصح كحَمَل الله الفريد، لكي يعلم الجميع السبب والغاية التي من أجلها أخذ الله جسداً، فمات حسب إرادته الخاصة، وليس حسب تخطيط أعدائه.

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع المسيح، قد عرفت مسبقاً أن ساعتك قد أتت وعلمت أن زعماء أمتك سيسلموك إلى الصلب. أما أنت فقررت أن تموت في وقت ذبح الحملان في عيد الفصح، ليتضح أنك أنت حمل الله الفريد، الذي يرفع خطايا العالم. لم يقدروا أن ينفذوا مشورتهم بل أنت عيّنت مصيرك خطوة بعد خطوة في هذه الليلة المظلمة، فنعظمك ونشكرك لثباتك في طريقك نحو الصليب.

 

السؤال 235:  لماذا لم يقدر المجمع الأعلى أن يصدر حكماً صائباً ضد المسيح؟

 

 

تكفين المسيح

(26: 6-13)

 

26: 6 وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ، (7) تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، فَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ. (8) فَلَمَّا رَأَى تَلامِيذُهُ ذلِكَ اغْتَاظُوا قَائِلِينَ: لِمَاذَا هذَا الإِتْلافُ؟ (9) لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا الطِّيبُ بِكَثِيرٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ    (10) فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُزْعِجُونَ الْمَرْأَةَ؟ فَإِنَّهَا قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَناً! (11) لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ. (12) فَإِنَّهَا إِذْ سَكَبَتْ هذَا الطِّيبَ عَلَى جَسَدِي إِنَّمَا فَعَلَتْ ذلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي. (13) اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضاً بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَاراً لَهَا.

(لو7: 36-50، يو12: 1-8، تث15: 11)

 

سكبت مريم أخت لعازر قارورة الطيب على جسد المسيح مندفعة بالروح القدس، لتدهنه كما يُدهَن الملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء علامة لامتلائهم بالروح القدس، بالمسحة السماوية. كان المسيح في وفاته الممسوح الحق، الذي حلَّ فيه كل ملء اللاهوت جسدياً. لقد تمَّت هذه المسحة للموت بانسجام مع مشيئة الآب، فجرى هذا الرمز بتضحية امرأة بذلت كل كنوز حياتها لتمجيد المضطَهَد المحبوب.

ينبغي أن نحرص على أن لا نظن بأن أي شيء نقدّمه نحن أو غيرنا إلى المسيح إتلاف. ينبغي أن لا نظن بأن الوقت الذي نصرفه في خدمة المسيح إتلاف، أو أن الأموال التي تنفق في الأعمال الروحية إتلاف، لأنها حتى ولو بدا بأنها قد ألقيت على وجه المياه، فإننا سوف نجدها ثانية بعد أيام كثيرة أنها كانت للخير (جا11: 1).

 

ظن التلاميذ أن الطيب قد اتلف بسكبه على رأسه. اما هو فقال لهم "إن سكب مثل هذا الطيب على جسد ميت حسب عادة بلادكم لما اغتظتم ولما اعتبرتم الأمر إتلافاً". والواقع أن هذا ما حصل، فالجسد الذي دهنته هذه المرأة في حكم الميت، ولهذا فإن عملها إنما تم في وقته لهذه الغاية فكان ينبغي أن تأخذوه على هذا الوجه بدلاً من أن تدعوه إتلافاً.

 

لم يكن تلاميذ المسيح آنذاك ممسوحين بالروح القدس بعد، فاعتبروا أن سكب قارورة الطيب هو إتلاف، قائلين: كان من الأفضل بيعها، وإنفاق ثمنها على الفقراء الجياع. لكن المسيح مدح عمل مريم بمدح إلهي، وجعل خدمتها شهيرة كمقدمةٍ لصلبه ودفنه.

 

بعدئذ أوضح يسوع بجملة قصيرة أن تخيلات الأحزاب وآمال المذاهب كاذبة لأن الفردوس والمساواة لا تأتي بسهولة على الأرض. فالفقر لا يُمحى من دنيانا، لأن القلوب تبقى قاسية إن لم تلن بمحبة الله والإيمان بالمسيح. وبما أن الجماهير لا ينفتحون لروح المسيح، فلا ينتهي الضيق في العالم، بل تنفق الشعوب الملايين على الطائرات والصواريخ والدبابات والقنابل، بينما يموت الملايين جوعاً!

 

الصلاة

أيها الرب يسوع، نحمدك لأنك سمحت للمرأة أن تدهنك بالزيت الثمين كمسح لموتك النيابي عنا، ودفنك القريب. نشكرك لأنك نخست قلوب تلاميذك الذين نظروا إلى ثمن قارورة الزيت ولم يفهموا أن ساعتك كانت قريبة. لقد أعلنت لنا أن الفقراء معنا في كل حين، وحرضتنا على خدمتهم عوضاً عنك، وأنت مُتَّ من أجلهم أيضاً، لكن لم يعرفوا ولم يستوعبوا هذا البعد. ارشدنا لكي نساعدهم بحكمة حسب الروح القدس والجسد ليمتلئوا بروح لطفك ومحبّتك.

 

السؤال 236:  ماذا تعني عبارة "الفقراء معكم في كل حين"؟

 

 

خيانة يهوذا

(26: 14-16)

 

26: 14 حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ (15) وَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟  فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. (16) وَمِنْ ذ لِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ.             (يو11: 57، زكريا11: 12)

 

أحب يهوذا المال أكثر من حبه لله، فلم يركز على  إرشادات وتعليمات معلمه خلال سنوات عديدة، بل تقسَّى تدريجياً، وانفصل عنه على مراحل، وعارض محبته بقلبه الثائر وكان غير أمين في الأموال المودعة بين يديه. استاء من توبيخ ربه نتيجة تذمر التلاميذ على كسر قارورة الطيب لأجل تكفينه.

كان يهوذا اليهودي الوحيد بين التلاميذ الاثني عشر، لأن الآخرين كانوا جليليين. ربما كان يهوذا متعاوناً مع المجلس الديني في العاصمة «القدس» وجاسوساً له لحفظ الأمة من الانتقام الروماني، كيلا يشاهد الرومان تجمُّع الشعب حول يسوع فيقضوا على الأمة.

 

بنفس الوقت حاول يهوذا تخليص نفسه من تهديدات المجلس الديني، فعمد إلى تسليم معلّمه. ليبرئ نفسه. ولعله فكَّر أيضاً أن يُجبِر يسوع على إعلان سلطانه وإنشاء ملكوته ظاهراً، عند ذلك ينتصر المسيح على أعدائه بقوته الإلهية وينشئ ملكوته على الأرض وينصب يهوذا مسؤولاً عن بيت المال.

سلَّم «المحكوم عليه» وأتباعه إلى ضيق شديد. وظهرت رداءة موقفه بقبول المال للخيانة. فما أنجسها تجارة، لأنه سلَّم إله المحبة بثمن تافه!

عامل المسيح يهوذا الخائن بنفس العطف الذي أظهره للباقين، لم يضع عليه أي علامة من علامات العار التي تفشله، بل وضعه في مركز يرضيه، إذ جعله أميناً للصندوق. وبالرغم من أنه اختلس من الصندوق(يو12: 6) إلا أننا لا نجد أي دليل على أنه طلب منه أن يقدم حساباً عنه. كما أنه لم يخامره أي شك في صحة كرازة المسيح. لم يكن السبب هو بغض سيده له أو منازعته معه، إنما كانت محبّة المال ليس إلاَّ. هذا هو السبب الوحيد الذي جعل يهوذا خائناً.

 

نقرأ في سفر زكريا (11: 12-13) الوعد المبهم القائل بأن رب العهد اعتبر 30 من الفضة التي دفعت لأجل حراسة الخراف من الذبح، المبلغ الذي ثمنه أهل الخراف. فالمبلغ المعين الذي تسلّمه يهوذا لأجل خيانة ربه كان مذكوراً مسبقاً في الوحي الإلهي، وكذلك تخلّصه من هذا المبلغ ورميه إلى الهيكل  حتى يتخلّص منه.

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع، أنت الحق والإستقامة، احتملت يهوذا بين رسلك، رغم أنك شعرت ببعد أمانته وعرفت أفكاره وباركته. صليت لأجله، لكنه أحب المال أكثر منك، فسلمك لأعدائك مقابل 30 قطعة من الفضّة. ساعدنا أن لا نحب المال ونثبت أمناء في مسألة النقود المستودعة بين أيدينا. لا نطلب الحياة والسلطة على أساس المال، بل نخدمك في روحك الوديع.

 

السؤال 237:  ماذا تعلّمت من استعداد يهوذا ليسلم ربه بمبلغ زهيد؟

 

تحضير الفصح

(26: 17-19)

 

26: 17 وَفِي أَّوَلِ أَيَّامِ الْفَطِيرِ تَقَدَّمَ التَّلامِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟  (18) فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى فُلانٍ وَقُولُوا لَهُ: الْمُعَلِّمُ يَقُولُ إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ مَعَ تَلامِيذِي (19) فَفَعَلَ التَّلامِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ.

(خر12: 18-20، متى21: 3، يو13: 21-26)

امتنع المسيح أمام يهوذا عن ذِكر المكان المقرر أن يجتمع فيه مع تلاميذه لآخر مرة، لأنه لم يرد إزعاج حفلته الإلهية مع تلاميذه. أراد أن يهيّئ جواً هادئاً لإعلان خُلاصة تبشيره وهدف مشيئته. فكل التمهيدات للعشاء الرباني جرت بارشاد الروح القدس.

 

الأغلب أن يسوع احتفل مع تلاميذه عشية يوم الخميس، لكن يوم ذَبْح الحملان كان يوم الجمعة. فلم يسمح له أن يذبح خروفاً، لأنه مضطهد وغير مقبول من رؤساء الكهنة. فهيّأ له تلاميذه عشاء المضطهدين والمؤلف من خبز غير مخمّر وأعشاب مرة وخمر أحمر. لم يذكر في النصوص عن العشاء الرباني أنه احتوى على اللحم المشوي، لأن لم يكن أي خاطئ محتاجاً لحمايته من غضب الله بواسطة دم حمل المذبوح، بل لأنه في ذاته كان الحمل المستحق للذبح لحماية البشر من الغضب الآتي.

إن امتناع يسوع عن اللحم المشوي من حمل الفصح، يتطابق مع النظام في أيام الفطير. ففي الأسبوع الذي يسبق عيد الفصح، أبعد اليهود كل خمير من بيوتهم وأكلوا خبزاً غير مخمّر علامة لتوبتهم ومحاولتهم أن ينقوا بيوتهم من كل ما يبعدهم عن الرب، واعتبروا هذه الأيام تمهيداً لمصالحتهم مع الرب بواسطة ذبح حمل الفصح.

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع، قد اشتقت أن تحتفل مع تلاميذك قبل عيد الفصح، لتعدّهم لقطع العهد الجديد في دم حمل الله الحقيقي. ساعدنا حتى نستعد أيضاً لهذا الحدث العظيم ونتوب عن كل خطيئة معروفة في حياتنا معك، ويعيدوا أيام الفطير وعيد الفصح روحياً حسب الإنجيل.

 

السؤال 238:  مامعنى "أيام الفطير" عند اليهود في الماضي والحاضر؟

 

إعلان الخيانة المُقبلة

(26: 20-25)

 

26: 20 وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. (21) وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ قَالَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّ وَاحِداً مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي (22) فَحَزِنُوا جِدّاً، وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ: هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ؟  (23) فَأَجَابَ: الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي. (24) إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْراً لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ (25) فَسَأَلَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ: هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟  قَالَ لَهُ: أَنْتَ قُلْتَ.                                                                         (لو17: 1-2)

 

عاش المسيح دائماً مع تلاميذه في شركة حميمة. فلقد أحبوا بعضهم بعضاً في القداسة والأخوة، والله كان حاضراً معهم، وقوته الفعلية صبغت جوَّ شركتهم، فعمَّ الفرح والسلام بينهم، رغم أنهم مضطهَدون ومُلاحَقون.

رفع يسوع أثناء العشاء الربَّاني قليلاً من الستار عن خائنه دون أن يعلن اسمه صراحة لكيلا يشهّره، لعله يرجع عن شر قلبه بتوبة نادمة. أما إعلان الخيانة المُقبلة عليهم فسقط كقنبلة في وسط فرح الحفلة. كان هذا الإكتشاف تمهيداً إلهياً لتطهير جميع الرسل من زلاتهم ووساوسهم، ليستحقوا قبول العشاء الرباني.

والمُرعب أنه لم يكن بين التلاميذ واحد متأكداً من أمانته. شعر كل منهم بإمكانية الخيانة في قلبه. ولربما خطر لهم من قبل أن يفرّوا إلى العدو، لينجوا من غضب الأمة، فكلٌّ منهم رأى نفسه مكشوفاً أمام الرب، فانكسر بخجل واعترف الجميع بضعفهم جهراً وهم مضطربون، لم يدّعوا أو يتباهوا بأمانتهم وشرفهم.

بدأ المسيح محاولة لربح نفس يهوذا، ليجذبه للتوبة والاعتراف، فرسم أمامه امتياز شركته ومحبته وقدرته التي اختبرها يهوذا في ربه طويلاً، وحذَّره بنفس الوقت من الدينونة في جهنم التي ستصيبه حتماً، لأنه قد اختبر نعمة الله وها هو يرفضها!

 

أما يهوذا فامتلأ بروح الشيطان، "أب الكذابين"، حيث تطلع إلى وجه يسوع متظاهراً بالندامة قائلاً "إن شاء الله، لن أكون أحد الخونة". لم يسم يهوذا المسيح رباً كما فعل التلاميذ الآخرون بل دعاه سيداً فقط. فانفصاله عن المسيح ظهر في ريائه الخبيث. عندئذ نخسه المسيح وأعلن شر روحه، وقال له "أنت قلت" أي أنك الخائن.

 

هل تتوب قبل أن ينخسك المسيح ويدينك، أو تظهر نفسك كخادم للرب أم أن الشر مازال معقوداً في ضميرك؟ هل انكسرت حقاً أم أنك من المنافقين الذين لا يهتدون؟

الصلاة:

أيها الآب السماوي ارحمني أنا الخاطئ، انزع بذرة كل خطيئة من نفسي. اغفر لي خبثي والشر الساكن فيَّ واخلق في داخلي خلقاً جديداً وأخلاقاً متجددة. أنا هالك حتماً بدون دم إبنك. خلّصني من شهواتي، وقدسني لأتبع بأمانة ابنك مع كل التائبين في الأرض، وامنح روح التوبة والندامة لكل الكنائس لتستطيع الحلول فيهم بروحك القدوس.

 

السؤال 239:  ماذا حدث قُبَيل رسم فريضة العشاء الربَّاني؟

 

 

العشاء الربَّاني الأول

(26: 26-29)

 

26: 26 وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلامِيذَ وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي (27) وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، (28) لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. (29) وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لا أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيداً فِي مَلَكُوتِ أَبِي.

(خر24: 8، إرميا31: 31، 1كور10: 16؛ 11: 23-25، عب9: 15و16)

 

خلال حفلة الفِصح في الغرفة المنعزلة التي شملت المضطهدين أخذ يسوع الخبز وشكر أباه السماوي لأجله، باركه لأجل سر العشاء الربَّاني المتضمن خلاصنا كله، وقد سمَّاه المسيحيون الأولون «سرّ الشكر». ليت شكرنا ينمو إلى جانب محبتنا للمسيح، فبقدر محبتنا له يكون شكرنا.

 

أعلن يسوع معنى الخبز في العشاء الرباني، كأنه يقول لتلاميذه: كما يدخل هذا الخبز إلى جوفكم، أريد أن أحل وأسكن فيكم، وهذا هو هدف العهد الجديد. وكما أن الخبز الطبيعي يقويكم للحياة والعمل والنشاط، أعمل أنا فيكم للحياة الأبدية والخدمات اليومية، فلا تكلّون وتضعفون، بل تخدمون بفرح. أنا هو قوتكم فيكم.

بعدما شرح يسوع معنى الخبز في العشاء الربَّاني أنه يمثل جسده، أخذ الكأس وأوضّح لهم معنى الخمر. إنه رمز لدمه الذي نلنا به غفران خطايانا، لأن موته الكفاري صالحنا مع الله. فبرُّنا ليس مبنياً على سفك دم ثيران مثلما حدث في العهد القديم، بل ابن الله تجسَّد ومات عوضاً عنَّا، سافكاً دمه الثمين ليُدخلنا إلى العهد الجديد مع أبيه، فيحل ويسكن روحه القدوس فينا لنعيش الحياة الأبدية.

إن موت المسيح على الصليب هو أساس العهد الجديد. لخَّص يسوع بذبيحته الفريدة كل أنظمة الذبائح في العهد القديم وأتمّها. إنه في ذاته حَمَل الله الذي يحفظنا من غضب الله القدوس، وهو وحده ذبيحة العهد الجديد لكل الأجيال من اتباعه. أوجد المسيح بموته فداءً كاملاً لخلاصنا الأبدي، وقال إن فداءه سيتم في مجيئه الثاني، حيث يتكئ معنا كما اتكأ مع تلاميذه في العُلّية. عندئذ سيظهر ملكوت أبيه بأمجاده وقدرته، فلا ينتهي شكر سجودنا، لأنه معنا وفينا ولن يفارقنا إلى الأبد.

كان دم العهد القديم يسفك من أجل قليلين، إنه ثبت عهداً قال عنه موسى أن الرب "قطعه معكم" (خر24: 8). وكان التفكير يصنع عن بني إسرائيل فقط (لا16: 34). أما يسوع المسيح فإنه "كفارة لخطايا كل العالم" (1يو2:2).

 

هل تشترك بحمد عند مجيئه؟ هل يسكن المسيح فيك اليوم لتستقبله غداً؟ تعمّق في كلمات يسوع لقطع العهد الجديد في سر العشاء الرباني، لأنها تتضمّن كل غنى إيماننا وخلاصنا.

 

الصلاة:

نعظّمك أيها الآب السماوي ونحمدك من كل القلب  لأجل موت ابنك الوحيد، لأنه صالحنا معك بذبيحة ذاته وحلّ في قلوبنا بواسطة الروح القدس المعطى لنا، فأصبحنا بنعمتك أعضاء عائلتك في العهد الجديد المبارك. احفظنا في شركتك لكي نثبت في ابنك وهو ساكن فينا إلى الأبد.

 

السؤال 240:  ماهي المعاني البارزة للعشاء الرباني؟

 

 

 

 

نبوءات يسوع في طريقه إلى جثسيماني

(26: 30-35)

 

26: 30 ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الّزَيْتُونِ. (31) حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ.   (32) وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ (33) فَقَالَ بُطْرُسُ لَهُ: وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لا أَشُكُّ أَبَداً    (34) قَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُنِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ (35) قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لا أُنْكِرُكَ!  هكَذَا قَالَ أَيْضاً جَمِيعُ التَّلامِيذِ.                                      (مز113-118، متى28: 7، يو13: 38؛ 16: 32)

 

في أثناء العشاء الأخير مع تلاميذه قطع يسوع العهد الجديد مع معظم أتباعه. وإذ رسم وشرَّع سرّ العشاء الربَّاني، ختم الحفلة الفصحية بالتسبيحات المجيدة المكتوبة في المزمور 118. وبعد ذلك قام، وتقدّم نحو موته بتصميم ثابت.

 

لم يفكّر أولاً في آلامه المُقبلة، بل في تلاميذه الضعفاء، وحذّرهم من التجربة المزمعة أن تنزل بهم، وعزَّاهم بقيامته الأكيدة التي هي انتصاره. اليوم، يقود المسيح رعيّته في موكب نصرته كما وعد، ويقوِّينا لحياة غالبة، فنسير في خطوات المسيح المُقام من بين الأموات.

 

لم يكن التلاميذ قد أدركوا الكفاح العنيف الذي ينتظرهم مع الأرواح المضادة لله. لعلهم ظنوا أن قوتهم الذاتية تكفي للنضال. لهذا كان على المسيح أن ينبئهم بهزيمتهم الكاملة، لأنهم اعتبروا أنفسهم أقوى وأدهى حتى من الشيطان.

 

لم يفهم التلاميذ الآية التي اقتبسها يسوع من التوراة، ولم يدركوا أن الله سيضرب الراعي الصالح فتتبدد الرعيّة المختارة! لقد فاق هذا الفكر عقولهم، وكان عثرة كبيرة لهم: كيف يُعقل أن الله يقتل مخلّص العالم الوحيد؟

استاء بطرس من نبوة يسوع وأنه وكل التلاميذ سينكرون المسيح، فاعترض باعتداد، وأخذ يؤكد لربه إخلاصه المطلق. لكن يسوع سمع مسبَقاً صياح الديك وإنكار مقدام رسله ثلاث مرات، وحذَّر بطرس بهذه النبوّة، رغم علمه بأنه سيسقط في الخطيئة لأنه اتكل على نفسه!

 

كان بطرس كثير الثقة بنفسه، متسرّعاً في الكلام، سيما عن نفسه. كانت نتيجة تسرّعه خيراً في بعض الأحيان، ولكنها في أحيان أخرى كانت وبالاً عليه كما حدث هنا.

 

ربط بطرس نفسه بوعد بأن لا يشك في المسيح أبداً، ليس فقط في هذه الليلة بل في أي وقت آخر. لو أن هذا الوعد أعطي في تواضع واتكال على نعمة المسيح لكان وعداً جميلاً. لقد أدّى حديث المسيح قبل العشاء إلى أن يفحص كل من التلاميذ نفسه بهذا السؤال: "هل هو أنا يا رب"، لأن الواجب يحتم على كل واحد أن يمتحن نفسه استعداداً للتناول. أما بعد العشاء فقد أدى حديثه إلى أن يحرصوا على بقاء شركتهم معه، هذا هو ما يحتمه الواجب بعد التناول.

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع المسيح، نحبك لأنك حذّرت تلاميذك كلهم من التجربة النازلة عليهم وأردت أن تساعد بطرس خاصة لكي لا يتّكل على ذاته، لكنه لم ينتبه لتحذيراتك. سامحنا إن لم ننتبه نحن أيضاً إلى كلماتك ونتّكل على قدرتنا الذاتية. أعنّا حتى نتقوّى بجدة قوتك، وامسك بيدنا وقدنا لنسير محفوظين مع كل اتباعك الواعين.

 

السؤال 241:  لماذا لم يؤمن بطرس بتحذيرات يسوع؟

 

دعاءالمسيح في جثسيماني

( 26: 36-37)

 

26: 36 حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ للتَّلامِيذِ: اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ (37) ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ.(38) فَقَالَ لَهُمْ: نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي.

(متى17: 1، يو12: 27، عب5: 7)

 

كان المسيح على علم دقيق بما ينتظره من عذاب، لأن خطيئة العالم كلها كانت واقعة عليه، منذ أن تقلّد وظيفة حَمَل الله، ومقتضيات الفداء جعلته خطيئة لأجلنا، وهو الذي لم يعرف خطيئة، لنصير نحن برَّ الله فيه. وقد تجمَّع كل شر العالم على المسيح، قديمه وحديثه، لكنه لم يضعف محبة المسيح، ولم يعطله عن القيام بعمل الفداء، فمات موتنا، وحمل دينونتنا.

 

بهذا الصراع وسوس الشيطان إلى قلبه. إنه كحامل كل شرور العالم، أصبح مرفوضاً وملعوناً من الله. فأنفت نفسه احتمال الإنفصال عن أبيه، وكإنسان حين يشعر بأنه متروك من والده نهائياً، ارتجف بكل كيانه لأن الإنتزاع من شركة الله الآب يعني الهلاك والجحيم، فحزن يسوع حزناً مراً وارتجف كل جسده. اعترض الشرير طريقه بشبح الموت المخيف وحاول أن يجد سلطة فيه لأجل خطايانا. دخل يسوع إلى طمس ظلمة في حياته وأصبح حزيناً حتى الموت، لم يحزن لأجل موته الخاص بل لأجل موتنا جميعاً، وكان واقفاً أمام الذي له سلطة الموت، ألا وهو إبليس      (عبرانيين2: 14).

كان المسيح يعلم يقيناً أنهم متعبون، ولكنّه أراد أن يعلمنا فائدة شركة القديسين. إنه نافع أن نجد معونة إخوتنا في أوقات الشدة، ولذا فإنه من الضروري أن نطلب معونتهم "اثنان خير من واحد" (جا4: 9) إن ما قاله لهم "اسهروا" لا يزال يوجهه للجميع (مر13: 37)، وهو لم يقصد أن نسهر فقط متوقعين مجيئه الثاني بل أيضاً أن نسهر معه في خدمتنا الحالية.

 

من يدرك عُمق وعظمة آلام يسوع؟ لقد تعبت نفسه لأجلنا، لأنه انتُزع من وحدة الثالوث الأقدس، ليدخلنا نحن إلى عائلة الله. فمن يشكره لذبيحته الكاملة؟ وكيف تتوب عن خطاياك لتثبت في الله؟

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع المحب، نشكرك لحزنك الأليم ونحمدك لآلام نفسك، لأنك رفعت خطايانا وخبثنا وحملت دينونتنا والغضب عوضاً عنا. طهرنا من شرنا وقدسنا بروحك القدوس لأننا باطلون وأشرار. لا نستطيع الثبات في صراعنا مع أرواح عصرنا. نطلب منك وأنت المنتصر الحي أن تقودنا في موكب نصرتك في كل حين.

السؤال 242:  لماذا حزن يسوع؟

صراع يسوع في دعائه

 

26: 39 ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ.    (يو6: 38؛ 18: 11، عب5: 8)

 

سجود المسيح لله لا يعني أنه في ساعات آلامه فقد لاهوته،  وإنما كانت متطلبات الفداء تستلزم اتضاعه إلى هذه الدرجة. توصح لنا العبارات التي نطق بها في صلاته عُمق كفاح المحبة من أجل خلاصنا.

استهل يسوع سجوده بهذا النداء الرائع: «يا أبتاه» لأنه أراد التمسّك بأبيه رغم أنه انفصل عنه بسبب خطايانا الأثيمة. لم يشكّ في بنوته لله ومحبة الآب له. إن ما يعزّينا نحن أفضل تعزية في أوقات الأحزان هو أن نعتبر الله العظيم أباً لنا، ونخاطبه بدالة البنين رغم أن غضبه معلن وملتهب على كل خطيئة. يحقّ لنا هذا الالتجاء، لأن المسيح شرب عوضاً عنا كأس غيظ الله على رجاسات الناس وفجورهم، ففي صلاته في جثسيماني رأى يسوع الكأس الممتلئ بالغضب المهيأ له أن يشربه إلى الثمالة.

تمنى المسيح في إنسانيته أن تعبر عنه هذه الكأس المريرة، وإذا أمكن أن تتم إرادة الله الخلاصية دون أن يُصلب. لكن الابن أخضع إرادته الخاصة لمشيئة أبيه مبدئياً وكاملاً، فظهر في هذا الكفاح الإيماني أن المسيح كان إنساناً تاماً، كما أنه كان إلهاً حقاً. كذلك كانت له إرادة إنسانية في وحدة مع مشيئته الإلهية.

كان المسيح يحزن وينزعج فيما يختص بالطبيعة البشرية، وفضّل عدم الموت، كما أن ألوهيته لا تحتمل ترك أبيه له، لكن بالرغم من آلامه الشديدة وموته القريب، لم يرد شيئاً منافياً لإرادة الآب في انجاز عهد الفداء.

الصلاة:

أيها الرب يسوع المسيح، نحبك ونعظمك لأنك تحمّلت مخاوف الموت عوضا عنا، تألمت في نفسك لأجل انفصال الآب عنك بسبب قصاصنا. أما أنت فقد اخترت مشيئة أبيك عوضاً عن سلامة قلبك وصون جسمك. تحمّلت أحزاننا لأجل خلاصنا وشربت كأس الغضب عوضاً عنا. ساعدنا أن نحبك دائماً ونحفظ وصايا شريعتك. شكراً لآلامك ومحبتك العظيمة.

السؤال 243:  لماذا ارتجف يسوع وحزن حتى الموت؟

صلوا لكي لا تدخلوا في تجربة

(26: 40-41)

 

26: 40 ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلامِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَاماً، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ (41) اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ.                                                          (أفسس6: 18، عب2: 18)

 

بينما كان المسيح يجاهد مصلياً وصارع الموت متألماً وقاوم إبليس مخلصاً، كان التلاميذ نياماً، حتى المختارين الثلاثة أيضاً. لم يستطيعوا السهر معه، ولم يقدروا أن يسندوا المسيح ولا أن يقدموا أبسط خدمة للمتضايق في سبيل الأخوَّة، أي الابتهال لأجله. فالتلاميذ سقطوا جميعاً في الوقت الحرج.

عاتبهم الرب يسوع، وأعلن لهم من اختباراته الخاصة أن جسد الإنسان ضعيف وخائف وغير مستعد لاحتمال الصليب. لا يستطيع أحد أن يخدم الله بدون الروح القدس، إنما الغلبة تُعطَى لمن يصلّي باستمرار فينال القوة ويتقوَّى في الإيمان ويحب أعداءه. لذلك اقرأ الكتاب المقدس يومياً، واصغ إلى العظات الصالحة لكيلا تسقط في التجربة. مع العلم أن كياننا البشري سرعان ما يتجاوب مع التجربة، لكن لا نيأس بل نثبت بثقة ورجاء تام.

 

ليتك، أخي القارئ، تطلب من الرب الحي موهبة الصلاة والدعاء والإبتهال لنفسك ولأصدقائك، لأن أباك السماوي ينتظر طلباتك الإيمانية.

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع، أنت ابن الإنسان وابن الله، تعلمت الطاعة في التجربة الهائلة وغلبت نفسك أثناء صلاتك، لأنك أحببت أباك السّماوي أكثر من ذاتك، وخضعت لإرادة الله. علمنا الطاعة الروحية لكي لا نمارس أمنياتنا وتحقيق رغباتنا، بل نسعى لمعرفة تخطيطاتك ونلتمس منك القوة لتنفيذ مشيئتك في حياتنا بالإيمان.

 

السؤال 244:  ماذا يعني "الجسد ضعيف أما الروح فقوي"؟

 

خضوع يسوع التام لمشيئة أبيه

 

 

26: 42 فَمَضَى أَيْضاً ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلا أَنْ أَشْرَبَهَا فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ.

 

غلب المسيح جسده بواسطة الروح القدس، فصلَّى صلاته الثانية متغيرة عن الأولى، وفي انسجام كامل مع الله. فقد أدرك الابن أنه لا يوجد طريق لخلاص العالم إلا بالصليب.

 

فويل للذين يقولون أن الإنسان يتبرر بأعمال الشريعة فقط وليس بدم المسيح، هؤلاء لا يشتركون في الفداء المعد لهم، لأن يسوع وحده شرب كأس الغضب عوضاً عنا.

 

غلب الإبن إرادته الذاتية أثناء صلاته الثانية، فوافق في محبة لنا أن يشرب كأس الغضب الإلهي ويموت ذبيحة لأجل الخطاة وينفصل عن أبيه الذي فيه وهو في أبيه.

 

ليست الصلاة مجرد رفع رغباتنا إلى الله فحسب، إنما هي أيضاً إخضاع إرادتنا لإرادته. عندما نكون في الشدة ونلجأ إلى الله مسلِّمين طرقنا وأعمالنا له "لتكن مشيئتك" عندئذ تكون صلواتنا مقبولة.

 

 

26: 43 ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضاً نِيَاماً، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً. (44) فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضاً وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلامَ بِعَيْنِهِ. (45) ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلامِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا. هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. (46) قُومُوا نَنْطَلِقْ. هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ.                                         (2كور12: 8)

 

صلَّى يسوع ثلاث مرات في نفس الموضوع، واستخدم في صلاته الثالثة نفس الكلمات التي قالها في الصلاة الثانية، ليس لعدم الإيمان أو الشك في استجابة كلماته، بل لعلمه اليقين أن المجرّب سيهاجمه في الساعات المُقبلة عدة مرات لينزعه من موقفه المطيع في خضوعه لإرادة الله. ثبَّت يسوع نفسه بصلوات متكررة في مشيئة الله. وتيقّن بالمواظبة في الدعاء أنه الشخص الوحيد الذي يستطيع احتمال غضب الله عوضاً عن جميع الأنام.

 

في ساعة التجربة هذه، توقّف كل شهيق أو زفير سواء في السّماء أو على الأرض، لأنه لو فضّل يسوع الراحة لنفسه والوحدانية مع أبيه دون الإنفصال لأجل الفداء لهلكنا جميعاً. إنه انكر نفسه وحمل صليبه ومات لأجل خلاصنا.

 

الصلاة:

أيها الرب المسيح نسجد لك بتهلل وشكر، لأنك احتملت دينونتنا من الله كلها وتألمت لغضب أبيك على خطايانا. اقبل أجسادنا وقلوبنا وأذهاننا. شكراً منا لموتك النيابي عنا، وقدّسنا لكيلا نسقط في التجربة. علِّمنا الصلاة بمواظبة لنثبت متحدين بخطتك، واعين لكل محاولات من الشرير لإضلالنا.

 

السؤال 245 : ماذا نتعلّم من صلوات المسيح الثلاث المتتابعة في بستان جثسيماني؟

 

القبض على يسوع

(26: 47-50)

 

26: 47 وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ. (48) وَالَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلامَةً قَائِلاً: الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ (49) فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: السَّلامُ يَا سَيِّدِي!  وَقَبَّلَهُ. (50) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟ حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوُا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ.

 

سمَّى المسيح نفسه مرة أخرى ابن الإنسان، لأن الله وضع عليه دينونة البشر. لقد احتمل ضعفاتنا، ورفع خطية الأنام في جسده وهو إنسان حق. غلب كل خطيئة وشهوة بواسطة ألوهيته، وثبت قدوساً في كل التجارب. لهذا السبب ظل مستحقاً أن يموت لأجلنا ذبيحة حية مرضية أمام الله.

 

بعدما أفرغ يسوع ما بقلبه أثناء صلاته الفاصلة، قام وهيّأ تلاميذه النيام، فأظهر أسفه عليهم، قائلاً: "استمروا في الراحة واسترخوا، فأنتم لم تفهموا معنى الساعة الفاصلة والفريدة!!" أنبأهم يسوع ولآخر مرة أن ابن الإنسان المولود من الروح سيقبض عليه الخطاة المجبولون من التراب، وأن خائنه مقبل أن يقبض عليه. حرّك التلاميذ أعينهم باستغراب محاولين أن يفهموا كلامه ومعناه، فرأوا أنفسهم محاطين بالجند المسلحين.

 

تكلّم يهوذا بدون قصد وانتباه عن يسوع بعبارة غريبة "هو هُو" والتي تتضمن إسم يهوه. فسمى الخائن ربه بالإله الأصيل.

هجم الجند وزعماء الدين على المسيح، فقيّدوه وضربوه وصلبوه. ما أعظم البلية! الحق الحر رُبط من المربوطين في الخطيئة. لكنه بقى حراً رغم قيوده. أتت ساعة الظلمة ودان الظالمون الله بالذات لأجل محبته. لكن لم يدن المسيح خائنه المحتال الذي قبّله بقبلة الخيانة كاذباً، إنما رمقه بعينه، معطياً له آخر فرصة للخلاص، وقال له: «يا صاحب». إن محبة الله كلها ودعوته وغفرانه وخلاصه، جميع هذه الصفات اختصرت بهذه الكلمة اللطيفة. فمهما كانت خطيتئك عظيمة يسمّيك المسيح «صاحباً». هل تسمع صوته، وتنكسر تائباً باكياً؟

 

هنالك أشخاص كثيرون يخونون المسيح بقبلة وتحيّة، وهم تحت ستار إكرامه يخونون مصالح ملكوته ويسيئون إليه. يقول المثل اللاتيني "في الفم عسل وفي القلب مرارة".

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع، انت رب العهد، سمحت لأهل العهد أن يقبضوا عليك ويقودوك إلى سجن المحكمة الدنيوية، ورغم ذلك، أحببت خائنك فلم تهلكه بقوتك رغم قدرتك على ذلك، إذ قَبِلت قُبلته المحتالة وخاطبته ب"يا صاحب". ما أعظم محبّتك وضبط نفسك في إنكار ذاتك. نشكرك لأن لطفك يفوق كل العقول. شجعنا على الإيمان والثقة بأنك تحتملنا وتقبلنا حتى وإن كنا غير أمناء في الشهادة لك ولإسمك.

 

السؤال 246 : لماذا سمّى يسوع خائنه "يا صاحب"؟

 

 

شفاء أذن المهاجم على يسوع

(26: 51-56)

 

26: 51 وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. (52) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! (53) أَتَظُنُّ أَنِّي لا أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلائِكَةِ؟ (54) فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟

(تك9: 6، متى4: 11)

 

أراد بطرس حسب وعده الدفاع عن الملكوت السماوي بالسيف والشراسة، وظن أن بركة العلي ستحلّ على سلاحه. لكن المسيح منعه من استعمال العنف، لأن ملكوته يأتي بواسطة اللطف والتأني والمحبة فقط.يؤكد المسيح بهذا العمل رفضه للحروب الصليبية التي تناقض قصده وأوامره الإلهية الدّاعية للمحبة والإحترام. لم يستخدم الرب الاثني عشر جيشاً من الملائكة الذين تحت تصرفه، ولم يجرّب الروح القدس الذي أنبأ بضرورة موته وقيامته لخلاص العالم، بل تقدّم نحو أعدائه وأحبهم، واعترف أمامهم أنه هو هو، أمس واليوم وإلى الأبد. فلا تجرّب تنفيذ أفكارك بالقوة ولا تحتدّ، بل اصبر وسلّم لربك أمرك، وأحبّ أعداءك إلى المنتهى.

 

إن أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل روحية، ومع أن خدّام المسيح هم جنوده لكنهم لا يحاربون حسب الجسد (2كو10: 3و4). وليس هذا معناه أن شريعة المسيح يهدم قانون الطبيعة أو شرائع الشعوب طالما كانت هذه القوانين والشرائع تتطلب من رعاياها الوقوف للدفاع عت حقوقهم المدنية وحرياتهم وديانتهم. لكن شريعة المسيح تأمر بحفظ السلام العام والنظام إذ يأمر الأفراد بأن لا يقاوموا السلطات القائمة، بل لقد أعطانا المسيح وصيّة عامة هي أن لا نقاوم الشر (مت5: 39) كما أنه لا يتطلب من خدامه نشر ديانته بقوة السّلاح. يقول المثل اللاتيني "لا  يمكن أن تفرض الديانة بالقوة لكنها تتطلب الدفاع عنها لا بالقتل بل بالموت". وكما حرّم المسيح على تلاميذه سيف العدل (مت20: 25و26) كذلك يحرم عليهم هنا سيف الحرب.

 

شفى المسيح أذن العبد الذي هاجمه بطرس ليستطيع أن يسمع كلمة الله مرة أخرى. تصوَّر تعجُّب العبد إذ رأى أذنه المقطوعة والمرمية على الأرض فأعادها «عدوه» ملحومة إلى موضعها ولم يقتله. فهذا الشفاء يؤكد لنا أنه بالنعمة يغفر لأعدائه، ويفتح لهم ملكوت الله مجاناً.

 

26: 55 فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ: كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَكُمْ أُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ وَلَمْ تُمْسِكُونِي.(56) وَأَمَّا هذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلامِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا.

 

أحب يسوع مهاجميه ودافع عن نفسه، ليس بإنكار الحق، بل وبَّخهم بلطف، وأراهم رياءهم وجُبنهم وخوفهم من الشعب. بعدئذ أعلن لهم أن ليس لهم سلطة عليه. إنما الله وحده هو الذي أظهر بالأنبياء مسبقاً أن المسيح سيُسلَّم إلى أيدي الأمم ليفديهم من رجاساتهم، وأن الرب سيضرب الراعي فتتبدّد الخراف.

إلى تلك اللحظة كان التلاميذ ماكثين قرب يسوع. لكن عندما سمعوا أن الله نفسه سلَّم يسوع إلى أيدي أعدائه هرب التلاميذ إلى ليل اليأس بائسين.

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع، أنت وديع ومتواضع القلب. سلَّمت نفسك إلى إرادة أبيك وقبلت الحكم عليك والإهانة والآلام حتى الموت، موت العار عوضاً عنا لتنجينا من الحكم الإلهي علينا. اغفر لنا كل عنف وخبث، وعلّمنا سماع كلمتك والإيمان بك، لنتغيَّر إلى محبّتك وننجو من سيف دينونتك، فنسلُك ودَعَاء متقيدين في إرادتك ونذهب إلى حيث تريد أنت.

 

السؤال 247 : ما معنى تقييد يسوع؟

 

الحكم على يسوع أمام المحكمة الدينية

(26: 57-68)

 

26: 57 وَالَّذِينَ أَمْسَكُوا يَسُوعَ مَضَوْا بِهِ إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ. (58) وَأَمَّا بُطْرُسُ فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَدَخَلَ إِلَى دَاخِلٍ وَجَلَسَ بَيْنَ الْخُدَّامِ لِيَنْظُرَ النِّهَايَةَ. (59) وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، (60) فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيراً تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ (61) وَقَالا: هذَا قَالَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللّهِ، وَفِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ (62) فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هذَانِ عَلَيْكَ؟    (63) وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتاً.      (متى27: 10، يو2: 19-21، أع6: 14)

 

لم يقدر الشهود الذين مَثَلوا أمام محكمة المجمع الديني أن يُثبتوا علّة واحدة على المسيح، لأن كل أقوالهم تناقضت، فلم يجد الفقهاء والرؤساء والشيوخ سبباً ملموساً لإدانة المسيح، فوقف أمامهم بريئاً.

 

لم يفهموا كلمة المسيح عن هدم الهيكل وإعادة بنائه في ثلاثة أيام، لأن المسيح أشار بهذه النبوة إلى موته وقيامته. لم يقل بأنه هو شخصياً سيهدم الهيكل، بل إن هدموا هم الهيكل فهو مستعد وقادر ليبنيه في ثلاثة أيام. وإنما قصد بذلك جسده الممتلئ بلاهوت الله.

 

صَمَت يسوع أمام افتراءات وأكاذيب البشر ساعة بعد ساعة في صمت رهيب. ولمَّا وصلت المحاكمة إلى مرحلة فشلها، قام قيافا رئيس الكهنة لتلك السنة، وهو كان لمدة طويلة المدَّعي العام الماكر والماهر في أمته، الذي تلاعب بين الشريعة ومطالب الرومان، وفي غيظه قام وحاول أن يوقع بالمسيح عن طريق استدراجه لقول يدينه لكي يحكموا عليه فوراً. لكن يسوع لم يجاوب على السؤال الماكر، بل رمقه بعينيه وأدانه بلا كلمة!

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع، أنت الحق والإستقامة وليس فيك غش ولم تجب على اتهامات أعدائك. وقفت أمامهم بصمت متكلاً على أبيك السماوي أن يدافع عنك. ساعدنا أن نتعلّم منك الثقة في حمايتك وحضورك معنا أمام كل محكمة أو سائل شرير، وأن لا ندافع عن أنفسنا ونتكل على ذواتنا، بل نثق ونتكل عليك ونختبر أن الروح القدس يلهمنا الصمت أو الكلام المناسب في حينه. ساعد كل مؤمن بك أثناء استجوابه حتى يتكل أكثر من اللازم، بل يشهد لك بحكمة وتواضع وسلطان.

 

السؤال 248:  لماذا صمت يسوع أثناء استجوابه أمام المحكمة الدينية؟

26: 63 فَسَأَلَهُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ: أَسْتَحْلِفُكَ بِاللّهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ؟  (64) قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضاً أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ الْقُّوَةِ، وَآتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ.(مز110: 1، دانيال7: 13، متى16: 27، يو10: 24)

 

لمَّا انتهى استجواب الشهود وثبتت براءة يسوع، عزم قيافا أن يدفع المسيح لتصريح تعتبره الشريعة اليهودي تجديفاً، فاستحلف يسوع المقيّد أمامه ليعلن جوهره ويجاوبه على السؤال القاطع: هل هو المسيح المنتظر ابن الله الحي؟

وفي ذروة المحاكمة هذه خرج يسوع عن صمته، وأعلن دينونة قاطعة على قاضيه، إذ قال موجّهاً خطابه أولاً إلى قيافا: «أنت قلت. قد عرفت الحقيقة ونطقت بها. ولكن لم تؤمن بألوهيتي. فستهلك بسبب قولك إن لم تتب».

وجّه المسيح خطابه لنواب الأمة المصغين إليه انتباه كبير، معلناً نفسه أمامهم بشهادة موجزة أنه المسيح الحق، فسيجلس عن يمين أبيه، الذي هو القوة الوحيدة في العالم رباً ومالكاً معه، وأنه سيأتي ثانية في سحابة المجد ليدين الأحياء والأموات، ومن بينهم القضاة الحاضرين أمامه. لم يستخدم يسوع عبارة "ابن الله" بل سمى نفسه "ابن الإنسان".

 

استخدم يسوع نبوة داود في المزمور 110 لإعلان نفسه «قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك». فباستخدام هذه النبوة سمَّى يسوع نفسه رباً مع رب العهد، حاكماً معه في وحدة كاملة، فيظهر الشيوخ أمامه أعداء الله الذين سيرميهم مقيدين أمام كرسي يسوع.

أكمل يسوع إدانته الإلهية على قضاته، وشهد أنه ابن الإنسان المذكور في سفر دانيال، الذي سيأتي في سحاب السماء مفوَّضاً من أبيه السماوي ومكللاً بالمجد ليدين كل الشعوب والأفراد. فيسوع المقيَّد لم يتنازل عن شعرة من حقه، إذ أعلن نفسه الديان الأزلي، وأن قُضاته الذين أمامه محكوماً عليهم.

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع المسيح البار، اعترفت أمام ممثلي أمتك عن شخصيتك بوضوح. لم تنكر ألوهيتك بل أعلنت بربط الوعدين من العهد القديم أنك ابن الله في هيئة ابن الإنسان. أحرجت قضاتك لأن يؤمنوا بك ويسجدوا لك، لأنك المسيح الموعود والرب بالذات. نعظّمك لأنك بكلمة واحدة دعوت زعماء شعبك للتوبة والإستسلام قبل أن تحكم عليهم بالحكم الإلهي النهائي. نعظِّمك لأنك تحل وتربط مستمعيك بشهادتك حسب إيمانهم أو رفضهم، فهم مسؤولون عن قرارهم الشخصي.

 

السؤال 249:  ماذا تعني شهادة يسوع الباهرة أمام المجلس الديني الأعلى؟

 

 

26: 65 فَمَّزَقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلاً: قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! (66) مَاذَا تَرَوْنَ؟  فَأَجَابُوا: إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ (67) حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ، وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ (68) قَائِلِينَ: تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا الْمَسِيحُ، مَنْ ضَرَبَكَ؟

(لا24: 16، إش50: 6،  يو10: 33؛ 19: 7)

 

بعدما أعلن يسوع ألوهيته في جملة واحدة عظيمة، ودعا وجهاء شعبه إلى التوبة والإيمان والسجود، حنقوا وحمي غيظهم، فحكموا عليه بالإعدام لأجل ما سمّوه «تجديفاً» وأهانوه بكل إهانة.

 

كان على اليهود، بمقتضى متطلبات أحكامهم الشرعية، أن يضربوا المجدّف الذي في وسطهم فوراً، رمزاً على أنهم لا يشتركون في ذنبه، بل يرفضون الشرير من بينهم. بالغ البعض في هذا الاستهزاء حتى سمّوه «نبي الله» طالبين منه نبوة بدون الإيمان به!

 

فهل أنت أفضل من زعماء شعب العهد القديم؟ ما هو قرارك؟ هل تعترف أن يسوع، هو المسيح المخلِّص ابن الله الحي، أو ترفض ألوهيته وفداءه؟

 

الصلاة:

نشكرك أيها الرب يسوع المسيح، لأنك سكتَّ أمام المجلس الأعلى مدة طويلة، وأعلنت لهم بعدئذ مجدك الكامل بجملة واحدة. نسجد لك ونؤمن ونعترف بأنك ابن الله الحي ربنا ومخلّصنا، الجالس عن يمين أبيك، والآتي في سحابة السّماء، لتدين الأحياء والأموات. دفع إليك كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاملأ قلوبنا بطاعة الإيمان، لنذهب إلى العالم أجمع وننشر إسمك فيأتي ملكوتك لمجد الله الآب.

 

السؤال 250:  ما معنى الجملة الوحيدة التي قالها يسوع أمام المحكمة الدينية؟

بطرس ينكر المسيح

(26: 69-75)

 

26: 69 أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِساً خَارِجاً فِي الدَّارِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ قَائِلَةً: وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ (70) فَأَنْكَرَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ قَائِلاً: لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ!  (71) ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ: وَهذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ!  (72) فَأَنْكَرَ أَيْضاً بِقَسَمٍ: إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ! (73) وَبَعْدَ قَلِيلٍ جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ: حَقّاً أَنْتَ أَيْضاً مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ! (74) فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: إِنِّي لا أَعْرِفُ الرَّجُلَ!  وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. (75) فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلامَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرّاً.

 

أراد بطرس أن يتبع المسيح بعزم وجرأة وأمانة. كان متحمساً ومتكلاً على نفسه، فتبع المسيح سراً من بعيد، بينما تملَّك اليأس التلاميذ الآخرين وهربوا. لعله لم يؤمن بانكسار المسيح، بل رجا أن ينتصر في اللحظة الأخيرة بتأييد ملايين الملائكة، فيساهم في الانتصار، ويكون لديه من المقرَّبين.

إن رفقة السوء تدفع الكثيرين إلى الخطيئة، والذين يدفعون أنفسهم إلى هذه الرفقة بلا مبرر إنما يدفعون أنفسهم للشيطان وأعوانه، وينبغي أن لا ينتظروا إلا أن يجربوا ريقعوا في فخاخه كما حدث لبطرس.

 

عثر لأول وهلة أمام استجواب خادمة بسيطة عرفته في دار الولاية المضاءة، وشهدت بصوت عال أنه من أتباع يسوع، وأنه ربما جاء لإنقاذه. لم يرد بطرس النِّقاش مع امرأة، بل فضَّل الكفاح ضد الرجال، فأنكر سيده أمام كل المستمعين قائلاً للمرأة: «لا أعلم شيئاً مما تقولين».

 

أثار سؤال الجارية قلبه بسبب خطر القبض عليه، لكنه تظاهر بالاطمئنان واللاَّمبالاة. وبعد قليل قام متمهلاً وخرج من الباب إلى الدار الخارجية لينطلق من النور إلى الظلمة. تبعه الشيطان وأرسل امرأة أخرى إليه كشفته بعين المراقبة، فكذب ثانية، وحلف أنه لم يَرَ المسيح طيلة حياته، فسقط من كذبة إلى أخرى، لأنه لم ينكر نفسه، ولم يختبر الصليب بل فضّل السيف والبطولة.

 

لمَّا التفت إليه الحاضرون وبينهم جنود وهو يحلف ويصيح، تراكضوا عليه وبرهنوا له من طريقة نطقه أنه جليلي ولا بد أنه من أتباع المتهم. عندئذ لعن بطرس نفسه وأشهد الله على نفسه بأنه لا صلة له بالمسيح ولم يره ولم يعرفه قط.

 

لكن المسيح في محبته سخَّر ديكاً ليوقظ بطرس، فصاح الديك وذكَّره بنبوّة المسيح، فأدرك جُبنه وشرَّه وضعفه واستحقاقه للهلاك، فانكسر وبكى بكاءً مراً. هنا مات بطرس لكبريائه، وانسحقت ثقته بنفسه نهائياً. وأنت، ألم يصح الديك لكبريائك وثقتك بنفسك؟ هل عندك جرأة لتقول إن المسيح هو ابن الله الحي، رغم المنكرين الذين حولك؟

 

الصلاة:

أيها الرب يسوع المسيح، اغفر لنا اتكالنا على أنفسنا، واخلق فينا الثقة بالله وحده، لنثبت في حقك أمناء حتى ساعة التجربة. علّمنا أن نبتعد عن كل كذبة بيضاء، ونعترف أنك ابن الله ولا ننكرك بصمتنا.

 

السؤال 251 : لماذا أنكر بطرس ربه ثلاث مرات؟

 

إثبات الحكم على يسوع

في المجلس الأعلى

(27: 1-2)

 

27: 1 وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْبِ عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، (2) فَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلاطُسَ الْبُنْطِيِّ الْوَالِي.

 

بعدما أنكر بطرس ربه انكسر ما تبقى من نواة الكنيسة المستقبلية، وظهر كأن عمل يسوع باء بالفشل.

في تلك الليلة، وع