مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ

 

تفسير رسالة بُوْلُس الرَّسُوْل إلى أهْلِ غَلاَطِيَّة

 

 

 

 

 

عَبد الَمسِيح وزُمَلاؤُه

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة

 

CALL OF HOPE – P.O.BOX 10 08 27نِدَاءُ الرَّجَاء

7000 STUTTGART 10 (WEST GERMANY)

اشترِك في دراسة الكِتَاب المُقَدَّس بالمراسلة

 

أصدَرْنا منذ سنوات تفسيراً للكتاب المُقَدَّس. فندعوك، باسم المَسِيْح، لتدرس معنا العَهْد الجَدِيْد، وأهمَّ أجزاء العَهْد القَدِيْم بطريقةٍ منظَّمةٍ متواصلة، لتنال النُّضج في معرفة الإِنْجِيْل. وإن نجحت في الإجابة عن المسابقات التّسع سنرسل لك:

 

شهادة في معرفة الإِنْجِيْل

 

مُدوَّناً فيها الأسفار التي أجبتَ عن أسئلتها. ومَن يدرس معنا العَهْد الجَدِيْد كلَّه ويُجيب عن أربعين مُسَابَقَة يحصل على:

 

شهادة النُّضج في معرفة الإِنْجِيْل

 

وبالإضافة إلى هاتين الشَّهادتَين، نرسل لكل متسابق ناجح كتاباً كجائزة، يُعمِّقُك بطريقةٍ أُخرى في ملء كلمة الله، لتُصبح له خادماً مسروراً، نافعاً لكلِّ عملٍ صالحٍ.

 

اقرأ الكِتَاب المُقَدَّس يوميّاً مصلِّياً، فتكسب كنزاً عظيماً للزَّمن والأبَد، وتستطيع مقاومة الأمواج الإلحاديَّة، وتَعِيش حَقَّاً. لأنَّه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله.

 

ونطلب منك أن تكتب مسابقاتك على أوراق مستقلَّة، بدون ملاحظات أخرى، لأنَّ أجوبتك تصل إلى لجنة خاصَّة بمركزنا لتصحيحها. جميع الملاحظات والطّلبات المضافة المكتوبة عليها تُهمَل. لا تنسَ أن تكتب لنا اسمك وعنوانك الكامل لكي لا تضيع نتيجة اجتهادك سُدىً.

 

 

 

 

هلمَّ للاشتراك والتَّعمُّق في الإِنْجِيْل

 

CALL OF HOPE – P. O. BOX 100827

7000 STUUGART 10 (WEST GERMANY)

 

التَّمهيد للرِّسالة إلى أهلِ غَلاَطِيَّة

 

كانت غَلاَطِيَّة كورةً ومحافظةً رومانيَّةً في أَسِيَّا الصُّغرى. وقد أُطلق عليها هذا الاسم نسبةً إلى القبائل الغَلاَطِيَّة التي استوطنتها سنة 250 ق.م. وزارها بُوْلُس الرَّسُوْل خلال سفراته التَّبْشِيْرِِيّة الفعَّالة.

 

ولكن بعد زياراته قَدِمَ مسيحيُّون، مِن أصل يهوديٍّ، من أورشليم وفسَّروا ناموس موسى لأهل غَلاَطِيَّة بطرق قديمة، محاولين إخضاعهم لفريضة الختان، كضرورة لتثبيتهم في عهد الله، ووضعوا في أذهانهم أنَّ بُوْلُس هو مجرَّد تلميذٍ للرُّسل، وليس رسولاً للمسيح، لأنَّه لم يُعاين الرَّبَّ يسوع أثناء حياته على الأرض.

 

ولكنَّ الغَلاَطِيِّيْنَ لم يُمارسوا الختان فوراً، بل ابتدأوا يحفظون أعياد اليهود. فكتب بُوْلُس الرَّسُوْل لهذه الطَّوائف، ربَّما في نهاية سفرته التَّبْشِيْرِِيّة الثَّالثة أو قَبلها، هذه الرِّسَالَة المُلتهِبَة غيرةً ومحبَّةً، فأثبت فيها أوَّلاً (في الأَصْحَاحين الأوَّل والثَّاني) استقلاله التَّام عن الرُّسُل الأصليِّين الذين التقاهم بعد مدَّةٍ طويلةٍ من لقائه المسيح على طريق دمشق، وتصرَّف أمامهم بكلِّ حرِّيةٍ ويقينٍ، حتَّى إنَّه عارض آراءهم بخصوص نَيْل الخلاص بواسطة حفظ النَّاموس.

 

ودافع ثانياً (في الأَصْحَاحين الثَّالث والرَّابع) عن تعاليمه مُبرهناً لهم عظمة التَّبرير المجَّاني بالإيمان، باعتباره السَّبيل الوحيد لتحرير المَسِيْحِيّة مِن ناموس الحَرْف.

 

بَعْدَئِذٍ ابتدأ رسول الأمم يَعِظُ بشدَّةٍ (في الأَصْحَاحين الخامس والسَّادس)، مُحذِّراً من استعمال الحرِّية بطريقة خاطئة، وحاضّاً المؤمنين على ممارستها في سبيل المحبَّة الأخويَّة، بإطاعة الرُّوْح القُدُس.

 

إنَّ موضوع الرِّسَالَة إلى أهل غَلاَطِيَّة هو البِرُّ الإلهيُّ المَوهوب لنا بالنِّعْمَة، وهو نفسه موضوع الرِّسَالَة إلى أهل رُوْمِيَة. أمَّا الفَرق بين الرِّسالتَين فهو أنَّ الرَّسُوْل ساعد كنيسة رُوْمِيَة على النُّمو في بِرِّ الإيمان، بينما حاول أن يُعِيْد الغَلاَطِيِّيْنَ إلى هذا المبدأ، لأنَّهم أضحَوا على شفير الارتداد عن النِّعْمَة، متمسِّكين بتقديسهم الخاص المَبني على أَعْمَالهم الذَّاتية النَّامُوْسِيّة.

 

كانت هاتان الرِّسالتان ، في عهد الإصلاح، أهمَّ نصوص الكِتَاب المُقَدَّس عند المؤمنين، حتَّى إنَّ "لوثر" قال في كتاباته: "إنَّ الرِّسَالَة إلى أهل غَلاَطِيَّة هي رسالةٌ محبوبةٌ اقترنتُ بها مثلما اقترنتُ بزوجتي الموَقَّرَة". وقد فسَّر "لوثر" هذه الرِّسَالَة مرَّتين حرفاً حرفاً. وصارت هذه الرِّسَالَة على مرّ القرون منبعاً للانتعاش والقوَّة، فحرَّرَت قلوب كثيرين مِن نِيْر التَّديُّن الأعمى في حِفظ النَّاموس كسببٍ للبِرِّ الباطل. وفي الوقت نفسه يختم الرَّسُوْل بُوْلُس أفكارنا وإيماننا بهذه الرِّسَالَة، لنثبت بفرحٍ في حرِّية المسيح، خاضعين لمحبَّته العُظمَى.

 

أسئلة:

1- أين تقع الكنائس الغَلاَطِيَّة؟

2- ما هي الضَّلالة التي تسرَّبَت إلى هذه الكنائس؟

3- ما هي الأقسام الثَّلاثة لهذه الرِّسَالَة؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أوَّلاً:

الافتتاحيَّة

بسلامها وأسئلتها

 

 

 

 

(1: 1- 10)

 

 

 

1- التَّسمية

(1: 1- 2)

 

الأَصْحَاح الأوَّل: 1 بُوْلُس رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ 2 وَجَمِيعُ الإِخْوَة الَّذِينَ مَعِي إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّة.

 

بدأ بُوْلُس رسالته بذكر اسمه، ليس افتخاراً، بل بقصد التَّعريف. واسم "بُوْلُس" باليونانيَّة معناه "الصَّغير"، وهو عكس اسمه العبرانيّ السَّابق "شَاْوُل"، الذي أُطلق على أوَّل ملوك اليهود ذي القامة الطَّويلة. وإذ كان بُوْلُس ينتسب إلى سبط بنيامين، مثل الملك شَاْوُل، سمَّاه والداه باسم الملك شَاْوُل. ولكنَّ بُوْلُس تخلَّى عن التَّفاخر والتَّعالي، وفضَّل اللَّقب "بُوْلُس" أي "الصَّغير"، مُعطياً المجد كلَّه للمسيح طوال حياته.

 

كان الرَّب المُقام مِن الأموات، الإله الحيّ، هو سرّ حياته. ولم تُتَحْ له فُرصة مشاهدته في الجسد، ولكنَّه ظهر له في مجده العظيم أمام أبواب دمشق، فأدرك المسكين شَاْوُل أنَّ المصلوب الميت المُحتقَر الذي يضطهده هو حيٌّ وحاضرٌ، فسحق تفاخره بالنَّاموس، ورأى نفسه مخطئاً هالكاً. فلم يُبِدْه المسيح حالاً، بل كلَّمه بِلُطف.

 

فرؤية المسيح ليست تعليماً جافّاً، ولم يُظهر يسوع نفسه بكلامٍ فارغٍ، بل أعلن ذاته بقوَّةٍ وسُلطانٍ، مُغيِّراً حياة تابعيه. فإيمانُنا يعني اتِّحاداً بالله في المسيح.

 

والرَّب المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ اختار عدُوَّه المنسحق التَّائب ليكون رسوله إلى الأُمم، بعدما ملأَه بقوَّة روحه القُدُّوْس. فبرهن بُوْلُس للغَلاَطِيِّيْنَ أنَّه رسولٌ حَقٌّ غير مدعوٍّ مِن النَّاس، ولا مرسومٍ منهم، بل مِن المسيح المجيد مباشرةً في انسجامٍ مع إرادة الله.

 

وأدرك بُوْلُس، مستنيراً بالرُّوْح القُدُس، أنَّ الله القُدُّوْس ليس مُهلكاً قهَّاراً، وإلاَّ لكان قد عاقبه. فعرف بكلّ إيمانٍ أنَّ الله حنونٌ رحيمٌ مُنعِمٌ عليه، بل هو الآب الحَقُّ الذي له ابنٌ منذ الأزل، وأولادٌ مِن روحه القُدُّوْس.

 

عاش بُوْلُس مع أولاد الله هؤلاء، وأشركهم بخدمته، طالباً منهم أن يُصلُّوا لكي تكون هذه الرِّسَالَة ممسوحةً مِن الرُّوْح القُدُس، وفعَّالةً في قلوب قُرَّائِها. فلم يخدم بُوْلُس ربَّه منفرداً متكبِّراً، بل في شركة القدِّيسين الذين سمَّاهم "إخوة" في أُسرة الله الآب.

 

الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، لأنَّك دعَوتَنا نحن الخُطاة المتمرِّدين لنُصبح أولادك. اغفر لنا خطايانا نحوك ونحو جميع النَّاس. ثبِّتْنا في مسيحك لنمتلئ بروحه القُدُّوْس، ونشترك في تبشير العالم، كما أرسلتَ شَاْوُل العظيمَ، وجعلتَه بُوْلُس الصَّغير، لكي تكمل قوَّة المسيح في ضعفه.

 

السُّؤَال:

4- من هو الذي أرسل بُوْلُس إلى خدمته الرَّسُوْلية، وكيف تمَّ هذا التَّفويض؟ (اقرأ أيضاً أَعْمَال الرُّسُل 1: 22).

 

2- البَرَكَة الرَّسُوْليَّة

(1: 3- 5)

 

1: 3 نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ 4 الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَِجْلِ خَطَايَانَا لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ  حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا 5 الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ

 

استهلَّ بُوْلُس كلمته الرَّسُوْلية بكلمة "نعمة"، لأنَّ هذه الكلمة تعني أوَّلاً عَفواً مُطْلَقاً. لقد غفر الله ذنوبَنا. هذه هي البُشرى السَّارة التي يستهلُّ بها بُوْلُس رسالته. فليس الله غاضباً علينا، ومُهلكاً إيَّانا، بل هو غافرٌ خطايانا، ومانحٌ إيَّانا خيراته ومواهبه بغنىً، رغم عداوتنا له وعصياننا لروحه.

 

هكذا دَخَلْنا عصر السَّلام، لأنَّ الخلاف الكبير مع الله قد انتهى، فلطفه الحنون يُشرف علينا، وروح سلامه يحلُّ في قلوبنا، ليُغيِّرنا إلى صانعي سلام، ليس بأسلحة فتَّاكة، بل بصبرٍ واحتمالٍ وصلوات بفرح لأجل الظَّالمين.

 

إنَّ الله معنا، بل هو أبونا الذي تبنَّانا، وولدَنا ثانيةً بروحه القُدُّوْس، وأشركَنا في جوهره، لنُمجِّد اسمه الأبويَّ.

 

لم تأتِنا هذه الامتيازات والحقوق الرُّوْحِيّة كلُّها تلقائيّاً أو عاطفيّاً، بل بواسطة ربِّنا يسوع المسيح الذي هو الرَّب نفسه، المولود من الله قبل كلِّ الدُّهور. إلهٌ مِن إلهٍ. نور مِن نور. ذو جوهرٍ واحدٍ مع الآب. وهو يشاء أن يكون ربَّك أيضاً.

 

لقد أخلى مجده الأبديَّ، وتجسَّد لأجلِنا، وصار إنساناً حقّاً، وعاش بينَنا، وخدم الخُطاة، ولم يُوجَد في فمه غشٌّ. وفي عظَمَة محبَّته بذل نفسَه، رافعاً خطايا البشَر كلَّها، ومُطفِئاً غضب الله، ومُكفِّراً عن ذنوب جميع النَّاس.

 

وبعد هذا التَّكفير المُدهش، جلس عن يمين الله، وأنعم علينا بروحه القُدُّوْس كي لا نتمسَّك بالدُّنيا الفانية الفاسدة، بل نقوم ونذهب إلى بيت أبينا. فالمسيح قد غلب العالم الشِّرير السَّاقط بوداعة وتواضع، وثبت في المحبَّة والإيمان والرَّجاء، رغم تجاربه القاسية.

 

وهكذا يدعونا ربُّنا الحيُّ لنتبعه، ونُنكر الفجور البشريَّ، ونَعتبر أنفسَنا غرباء في هذا العالم الرَّديء، ونتمسَّك بالفِداء الموضوع أمامنا، ونتجاوب مع مشيئته بتحرُّرنا مِن سلطة الشَّر.

 

عِنْدَئِذٍ تتمُّ إرادة الله الذي يشاء أن نَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، الأمر الذي ابتدأه بتبريرنا على الصَّلِيْب. وبالتصاقنا بشخص المسيح تحلُّ قُوَّة الرُّوْح القُدُس فينا. هكذا نثبت أولاداً لله، ويُمجِّد النَّاس اسمه الأبويَّ على أَعْمَالنا الحسنة. ليت حياتَنا تصبح كلّها حمداً وشُكراً لله ومسيحه الذي يحيا ويَملك معه في المجد الأبوي، ويزداد بهاءً كُلَّما سلَّم الخاطئ نفسه له شُكراً للموت الكَفَّارِيّ الفريد.

 

الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، نُعظِّمك ونَحمدك بفرحٍ وشُكرٍ، ونُسبِّحك لأنَّك فدَيتَنا بموت ربِّنا يسوع المسيح، وولَدْتَنا أولاداً لك بروحك القُدُّوْس. أنت مُنعِمٌ علينا ومُهتمٌّ بِنا لأنَّك أبونا. نشكر ابنك لأنَّه خلَّصَنا مِن العالم الشِّرير، وضمَّنا إلى شركتك المقدَّسة. أرشِد المُضطربين في مُحِيْطنا إلى قُربك لكي يشتركوا معَنا في بهجة خلاصك.

 

السُّؤَال:

5- ما هي الكلمات الهامَّة في البركة الرَّسُوْلية، وما هي معانيها؟

 

نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ

 مِنَ اللهِ أَبِينَا

 وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ

(غَلاَطِيَّة 1: 2)

 

3- بُوْلُس يَطعَن في الضَّلال المُتسرِّب إلى الكنيسة

(1: 6- 10)

 

1: 6 إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هَكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيْل آخَرَ 7 لَيْسَ هُوَ آخَرَ غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيْل الْمَسِيحِ. 8 وَلَكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا. 9 كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا. 10 أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللَّهَ. أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ. فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ

 

أعلن بُوْلُس في غَلاَطِيَّة غضب الله على خطايانا، وأبرز الغُفران العظيم بموت المسيح على الصَّلِيْب. فلمَّا سمع الغَلاَطِيُّوْنَ دعوة الله هذه إلى نعمته المُعلنَة في المسيح، وقبلوه مؤمنين، سكب المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ قوَّة الرُّوْح القُدُس في قلوبهم، فتمَّ الخلاص فيهم. هذه هي حقيقة الإِنْجِيْل، ولا نستطيع أن نقول غيرها. فالإِنْجِيْل ليس فلسفةً جافَّةً، ولا فرائض مدقّقة، بل هو قوَّةٌ مُخلِّصةٌ مِن شخص يسوع الحيّ. فلا نؤمن بمُجدِّد فكر أو علم، بل نؤمن بمُخلِّص العالم يسوع المسيح، ونرتبط به ارتباطاً أبديّاً.

 

قَدِمَ إلى الغَلاَطِيِّيْنَ مسيحيُّون مِن أصلٍ يهوديٍّ، وعلَّموهم أنَّ البِرَّ مِن النَّاموس، وكأنَّ خلاصهم وارتباطهم بالله لا يكفِيان، بل هُم يحتاجون إلى بذل جهود خاصَّة، جاهلين أو متجاهلين أنَّ الإيمان بقدرة الإنسان على الخلاص يَنفي عمل النِّعْمَة، ويُكذِّب دعوة الله. هل تعلم، يا أخي، أنَّك في نفسك شرِّيرٌ وفاشلٌ وغبيٌّ وغير قادرٍ على تخليص نفسك؟ هل اختبرتَ أنَّ الله وحده هو الذي يُنوِّرك ويدعوك ويُطهِّرك ويُحييك ويملؤك بروحه القُدُّوْس؟ إنَّ خلاصَنا ليس إلاَّ نعمة. ومَن يتعلَّم مبدأً آخر، يُزعج الكنيسة بتعاليمه الملتوية المُضلَّة.

 

وإذْ حاول النَّامُوْسِيّون بناء الكنيسة على البِرِّ الذي مِن النَّاموس، وليس على الإيمان بالنِّعْمَة، فقد أصبحوا أعداء الإِنْجِيْل، ومُفسِدي الكنيسة، وأضداد الله. فهل هدَّدَهم بُوْلُس بلعنة الله ودينونته؟ إنَّه لم يَذكر أسماء المُضلِّين، بل قال إنَّهم إذا استمرّوا في كرازتهم المُضلِّلة فستلاحقهم دينونة الله حتماً.

 

ويلٌ للقسِّ، أو الأسقف، أو المُعلِّم، أو المبشِّر الذي يحثُّ مستمعيه على الأَعْمَال الصَّالحة كوسيلة لربح السَّماء. هؤلاء هم المضلِّلون المستحقُّون اللَّعنة، لأنَّهم يضعون في أذهان الناس الاعتقاد الخاطئ بالإنسانيَّة التَّافهة، فلا يبنون خلاص الخاطئ على كلمة وعمل المسيح وحده.

 

إنَّ معنى كلمة "أناثيما" هو أنَّ كُلَّ مُضلٍّ يُفسد الإِنْجِيْل متعمِّداً يسقط في دينونة الله، كي لا يُورِّط الكنيسة فيما بعد. فكلُّ واعظٍ يُمجِّد الإنسان وقدرته البشريَّة ويُثقل عليه بنواميس وطقوس هو مِن روحٍ غير روح الله، حتَّى وإن رأى رؤىً جميلةً، أو كلَّمه ملاكٌ، وأوحى إليه بآيات وأحكام. فكلُّ وحيٍ غير مبنيٍّ على الإِنْجِيْل هو وحيٌ غير حقيقيٍّ. ومَن لا يُبشِّر بموت المسيح بوصفه السَّبب الوحيد لخلاصنا، يظلّ عدوّاً لله. لا تنسَ أنَّ الإِنْجِيْل يعني خلاصاً بالنِّعْمَة فقط.

 

سخر اليهود مِن بُوْلُس لأنَّه كلَّم اليهود كيهودي، والأمم كيونانيٍّ. وبرهن الرَّسُوْل، بإعلانه لعنة الله على المضِلَّين، أنَّه لم يكن ليَنشد مدح الناس له، ولم يكن ليخشاهم، بل كان يخدم ربَّه فحسب. فهو لم يمدح الناس ليربحهم بالحيلة والمداهنة، بل دان أمامهم مُفسدي النِّعْمَة بالسُّلطان الذي وهبه الرَّب له ليحل الذُّنوب ويربط الخطاة العصاة الذين يُفسِدون النِّعْمَة بتعاليمهم الخاطئة عن النَّاموس.

 

الصَّلاَة: أيُّها الآب، نشكرك لأنَّك دعوتَنا وأنقذتَنا بواسطة إِنْجِيْل المسيح مِن الخطايا والموت والهلاك. ساعدنا على أن نَثبُت في نعمتك إلى الأبَد. لا نُريد زيادة البرِّ بواسطة أَعْمَالنا الخاصَّة كي لا ننتقص مِن مَجد الصَّلِيْب. احفظْنا في الإِنْجِيْل كلِّه، ولا تَسمح للمُضِلِّين أن يُضِلُّونا، بل أعطِنا روح التَّمييز، كي نُدرك ما هو الحقُّ وما هو الباطلُ. وضَعْ أيضاً فينا الجرأة والحكمة بقيادة روحك كي نرفض كُلَّ مُضِلٍّ في كنيستك المقدَّسَة.

 

السُّؤَال:

6- لماذا حرَّم بُوْلُس المُضلِّين في غَلاَطِيَّة؟

 
 
 
لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيْل الْمَسِيح
ِ لأَِنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ
 لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ

(رُوْمِيَة 1: 16)

 

 

ثانياً:

الأدِلَّة التَّاريخيَّة

على السُّلطات الرَّسُوْليَّة

لبُوْلُس

 

 

(1: 11- 2: 21)

 

1- دعوته وإرساله مِن المسيح مُباشرةً

(1: 11- 17)

 

1: 11 وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَة الإِنْجِيْل الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ إِنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. 12 لأَِنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ، بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

 

سمَّى بُوْلُس أعضاءَ الكنيسة إخوةً في عائلة الله، حتَّى وإن كانوا في خطر الارتداد إلى عبوديَّة النَّاموس. فناضل الرَّسُوْل في سبيل ثقة المؤمنين بألوهيَّة رسالته عن النِّعْمَة، لأنَّ الإِنْجِيْل ليس مؤلَّفاً مِن عقول النَّاس، ولا هو وليد حكمة الأجيال. لم يجلس بُوْلُس عند قَدَمَي بطرس أو غيره من الرُّسُل، ولم يدرس كلام يسوع، بل إنَّ معرفة إِنْجِيْله تكوَّنَت مِن خلال رؤيته يسوع شخصيّاً.

 

لم يُرِه اللهُ ملاكاً، ولا نوراً ممثِّلاً إيَّاه، بل كلَّمه جهاراً بواسطة ابنه.

 

فالمسيح هو الإِنْجِيْل نفسه، لأنَّ الإنسان يسوع المصلوب المحتقَر لم يتفتَّتْ في قبره، بل هو حيٌّ وربُّ المَجد. لم يُبِد عدوَّه المتربِّص بالمَسِيْحِيّين، بل كلَّمَه بلُطفٍ، وأبطل تمسُّكه ببِرِّ النَّاموس، وأنعم عليه بخدمة تبشير الأُمم. فبُوْلُس رأى الرَّحمَن، وسمع كلماته. فهو رسولٌ حَقٌّ، وحاملٌ الوحي الإلهيَّ في ذاته. لم يَختبر أيُّ رسولٍ آخَر ما اختبره بُوْلُس. وهكذا أصبح شَاْوُل المتكبِّرُ بُوْلُس الصَّغيرَ، لأنَّه وجد في قَدَاسَة جلال المسيح مقياس حياته، وأساس إيمانه، وهدف رجائه. لم يُرِدْ بُوْلُس أن يفكِّر بأحدٍ سواه، ولم يَبْغِ أحداً سواه. فكان المسيح حياته، وقوَّته، وبشارته.

 

إنَّنا لا نُقدِّم لك اليوم نواميس وشرائع، فالمسيح هو مقياس حياتك؛ ولا نبشِّر بغفران الخطايا، فالمسيح هو غافر خطاياك؛ ولا نُعلن الحَيَاة الأَبَدِيَّة عامَّةً إلاَّ به ومنه، لأنَّه هو المُحيي المُقتدِر؛ ولا نُخوِّف الناس بالدَّيْنُوْنَة المُقبلة، بل نُبرز المسيح الآتي الذي هو الدَّيان الإلهي. فادرس معنا إِنْجِيْل المسيح لكي تلتقي شخصه، وتراه بعيني قلبك، وتسمع صوت روحه المتكلِّم في الإِنْجِيْل.

 

الصَّلاَة: أيُّها الرَّب، نُعظِّمُك لأنَّك حاضرٌ وحيٌّ، ولم تُرشدنا إلى الإيمان بمجرَّد فكرة أو عقيدة، بل بشخصك الملموس. افتح أعين قلوبنا لكي نرى صفاتك وأَعْمَالك، وأسْمِعْنا كلماتك وأسماءك أثناء تأمُّلنا في الإِنْجِيْل، لكي نصبح شهوداً أمناء لك، ونعترف جهراً بأنَّك أنت حياتنا.

 

السُّؤَال:

7- ما هو لبُّ الإِنْجِيْل؟

 

1: 13 فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ أَنِّي كُنْتُ  أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا. 14 وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي إِذْ كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي.

 

لم يستحقّ شَاْوُل النَّامُوْسِيّ الحصول على وحي الله، لأنَّه كان رغم تعصُّبه للشَّريعة أعمى عن حقيقة إرادة وقصد الله. فظنَّ بُوْلُس، في غيرته وتفاخره، أنَّه باضطهاده أتباع يسوع النَّاصِرِيّ، إنَّما يخدم الله، لأنَّ هؤلاء المَسِيْحِيّين تمسَّكوا بالمصلوب المحتقَر أكثر من اهتمامهم ببنيان أنفسهم وفق أحكام شريعة الآباء.

 

ألحق بُوْلُس، بعدم معرفته الرُّوْحِيّة، أضراراً جسيمةً  بمختاري الله، فلم يُصدِّق شهاداتهم، وضحك على صلواتهم أثناء الجلسات والمحاكمات، واعتبرهم ضالِّين كُفَّاراً يستحقُّون الرَّجم، فساقهم إلى الموت، وصار عدوَّ الله، رغم تقواه الظَّاهرية.

 

وكان بُوْلُس مثلاً أعلى لزملائه من طُلاَّب النَّاموس، لأنَّه حفظ فقرات شريعة الآباء غيباً بصلاته، وطبَّقها على حياته بتدقيقٍ ودقَّة، وقدَّم العشر دون مُواربَة، ولم يأكل حراماً، ولم يتنجَّس عمداً. وقد رأى في الناموس طريق الله الوحيد، وأراد أن يكون الأوَّل في سباق البِرِّ. وهو بإيمانه هذا، في مدرسة الإنسانيَّة الشَّرعية، لم يَرَ نفسَه كما هي، بل اغترَّ وتكبَّر، ومارس الضَّغط على الآخَرين بشدَّةٍ، وفقد المحبَّة، وألحق الويل والنَّكبات بكثير مِن العائلات في اضطهاده الشَّديد لكنيسة الله.

 

1: 15 وَلَكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ 16 أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا 17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى الرُّسُل الَّذِينَ قَبْلِي بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ.

 

كانت لله خطَّةٌ منذ الأزل، فاختار بُوْلُس قبل أن يُولَد، وأوجده في عائلة ناموسيَّة، في مُحِيْط يونانيٍّ، لكي يتعلَّم معارضة الله في سيرة التَّقوى، إلى جانب الحضارة اليونانيَّة. وكما أفرز الله بُوْلُس، دعاه أيضاً أمام أبواب دمشق. فظهور المسيح لم يكن مكافأةً له على غيرته الباطلة على الناموس، بل إدانة مُرَّة لذلك المتباهي، وفي الوقت نفسه، إنعاماً لطيفاً على المُنكسِر. فدعوة الله هي نعمة للإنسان، ليست لاستحقاقه.

 

كانت غاية دعوة الله لبُوْلُس هي إعلان حقيقة المسيح، ومجده العظيم. وقد أدرك بُوْلُس جوهر الإنسان يسوع، واعترف في هذه الرِّسَالَة بأنَّه ابن الله الآتي من أبي القُدُّوْس، وثبت فيه مُظهِراً صورة أبيه بالتَّمام. فدعوة الله في المسيح، وحلول الرُّوْح القُدُس في التَّائب غيَّرا شَاْوُل مُضطهِد المَسِيْحِيّين، وجعلاه عبد المسيح الأمين، حتَّى أصبح مرآةً لربِّه، وأداةً لقوَّته، ودليلاً إليه في القول والفعل.

 

وامتلأ بُوْلُس بلطف ربِّه، حتَّى إنَّه لم يقدر إلاَّ أن يملأ العالَم بدين النِّعْمَة، لأنَّه فهم أنَّ دعوته تعني إرساله إلى أُمم الوثنيِّين.

 

لم يتباطأ بُوْلُس، ولم يبحث في نفسه الأخطار المحتمَلة في خدمته الجديدة، ولم يطلب ترقيةً أو معاشاً للمهمَّة الإلهيَّة، ولم يدخل مدرسة لاهوتيَّةً لتثبيته في المعرفة، بل بدأ يشهد بألوهيَّة يسوع في دمشق، دون أيِّ تفويضٍ مِن الرُّسُل الأصليِّين في أورشليم، وبرهن من العهد القديم أنَّ النَّاصِرِيّ المرفوض هو المسيح المنتظَر. وكان تجلِّي الرَّب لبُوْلُس بمثابة الشِّعار الذي تميَّزت به خدمته، ومضمونه أنَّ يسوع هو الحيُّ المَجيد، ونعمته هي أساس العهد الجديد.

 

لم يكتفِ بُوْلُس بالتَّبشير داخل أسوار دمشق، بل تقدَّم إلى مُحِيْطها، فكان المبشِّر الأوَّل بين أبناء العرب، مقدِّماً لهم يسوع الحَيَاة.

 

هل تريد معرفة البشارة التي نقلها بُوْلُس إلى قبائل البدو وعائلات الفلاحين؟ اقرأ رسالته إلى أهل غَلاَطِيَّة، وادرس عظاته المختلفة في سفر أَعْمَال الرُّسُل، فتشترك في فيضان قوى المسيح كما انطلق مِن رسول الأمم قاطبةً.

 

الصَّلاَة: أيُّها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنَّك ظهرت لعدوِّك، ودعَوتَه، وغيَّرتَه، وأرسلتَه، وقوَّيتَه كي يمتلئ العالم بنعَمِك. ساعدنا على فهم كلامك الذي وضعته في فم رسولك، فنتغيَّر ونتقوَّى نحن أيضاً، ونُمجِّد اسمك القُدُّوْس.

 

السُّؤَال:

8- ما هي الأفعال الخمسة (في العددَين 15 و16) التي غيَّرت حياة بُوْلُس؟ وما معنى ذلك؟

 

2- الزِّيارة الأخويَّة الأولى إِلَى أُورُشَلِيمَ

(1: 18- 24)

 

1: 18 ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَِتَعرَّفَ بِبُطْرُسَ فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. 19وَلَكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُل إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ. 20 وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ إِلَيْكُمْ هُوَذَا قُدَّامَ اللهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ. 21 وَبَعْدَ ذَلِكَ جِئْتُ إِلَى أَقَالِيمِ سُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ. 22 وَلَكِنَّنِي كُنْتُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَجْهِ عِنْدَ كَنَائِسِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ. 23 غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَضْطَهِدُنَا قَبْلاً يُبَشِّرُ الآنَ بِالإِيمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلاً يُتْلِفُهُ. 24 فَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ فِيَّ

 

بشَّر بُوْلُس، طوال ثلاث سنوات، بين البدو، ورافقهم في رحلاتهم، واختبأ بينهم مِن مضطهديه اليهود. ولا نعلم شيئاً عن ثمار خدمته هناك. ولكن يُمكننا أن نتأكَّد أنَّ الرُّوْح القُدُس عمل به أيضاً بين العرب. فمن البداية كان للمسيح أتباعٌ في أُمَّتنا العربيَّة. فهل أنت شاهدٌ للمسيح في مُحِيْطك، أم إنَّك ميتٌ بلا ثمارٍ؟ أنَّ المسيح يقصد أن يحلَّ في قلبك بالإيمان، ويُخلِّص كثيرين مِن حَولك.

 

قام بُوْلُس بخدماته مستقلاًّ، دون ارتباطٍ بطائفةٍ منظَّمَة. ولكنَّه اشتاق إلى شركة الإِخْوَة، فذهب لأوَّل مرَّةٍ إلى شهود العيان السَّاكنين في أورشليم الذين رافقوا المسيح، إلاَّ أنَّ هؤلاء خافوا مِمَّن كان يضطهدهم قَبْلاً، فلم يثقوا به سريعاً. وفي الوقت نفسه كان اليهود يبحثون عن مفوَّضهم المُرتَدِّ ليقتلوه. فجاء بُوْلُس سِرّاً إلى زعيم الكنيسة بطرس ليتعرَّف إليه.

 

لم يأتِ بُوْلُس إلى مقدام الرُّسُل ليُعيِّنه الأخير مبشِّراً أو راعياً، لأنَّ المسيح نفسه هو الذي دعاه وعيَّنه رسولاً للأمم، وجهَّزه بروحه، وأثبت خدمته. فتعرَّف بُوْلُس إلى بطرس ويعقوب أخي يسوع في غضون أسبوعين، وتباحث معهما حول حياة المسيح وموته وقيامته، علماً أنَّ المسيح كان قد ظهر لبطرس ويعقوب بعد قيامته، ولولا ظهوره لهما لما ثَبَتا في إيمانهما، لا سيَّما وأنَّ إخوة المسيح أنفسهم اعتبروه مجنوناً، ومن ثمَّ آمنوا به بعد صعوده، لأنَّهم التقوا المنتصرَ الذي ضمَّهم إلى شركة المنتظرين موعد الآب (أَعْمَال 1: 14 و 1 كورنثوس 15: 7).

 

وهكذا انضمَّ بُوْلُس إلى الكنيسة الأصيلة، وبقي في الوقت نفسه غريباً مبتعداً عنها. كان ثابتاً معها في المسيح، ولكن كان عليه أن يختفي من الاضطهاد والشُّكوك، فلم يستطع الاشتراك في شركة المؤمنين جهاراً. وظلَّ الرُّوْح القُدُس معلِّمه الفريد، والمسيح نفسه رئيسه المباشَر، وأرسله ربُّه إلى أُممٍ كثيرةٍ، وجعله يُثمر أكثر من الكُلِّ، حتَّى إنَّنا اليوم نعيش مِن رسالة شهادته.

 

الصَّلاَة: أيُّها الآب القدير، إنَّك حتَّى اليوم تُغيِّر أعداءك، وتأخذ الأقوياء غنيمةً لك. نشكرك لأجل كلِّ مَن يؤمِن منهم، فتُجدِّده، وتُرسله رسولاً للكُفَّار؛ ونسألك أن تحميه، وأن تضمَّه إلى شركتك الرُّوْحِيّة. أرسلنا نحن أيضاً إلى أُمَّتنا، لنبشِّر بنعمتك ومسرَّتك، وقَوِّنا كي لا نخاف ولا نتأخَّر.

 

السُّؤَال:

9- ماذا تعني زيارة بُوْلُس الأولى لأورشليم؟

 

3- انسجام الرُّسُل بخصوص الخلاص بالنِّعْمَة

(2: 1- 10)

 

الأَصْحَاح الثاني: 1 ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ بَرْنَابَا آخِذًا مَعِي تِيطُسَ أَيْضًا. 2 وَإِنَّمَا صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلاَنٍ وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الإِنْجِيْل الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ وَلَكِنْ بِالاِنْفِرَادِ عَلَى الْمُعْتَبَرِينَ لِئَلاَّ أَكُونَ أَسْعَى أَوْ قَدْ سَعَيْتُ بَاطِلاً. 3 لَكِنْ لَمْ يَضْطَرَّ وَلاَ تِيطُسُ الَّذِي كَانَ مَعِي وَهُوَ يُونَانِيٌّ أَنْ يَخْتَتِنَ. 4 وَلَكِنْ بِسَبَبِ الإِخْوَة الْكَذَبَةِ الْمُدْخَلِينَ خُفْيَةً الَّذِينَ دَخَلُوا اخْتِلاَسًا لِيَتَجَسَّسُوا حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ كَيْ يَسْتَعْبِدُونَا، 5 الَّذِينَ لَمْ نُذْعِنْ لَهُمْ بِالْخُضُوعِ وَلاَ سَاعَةً لِيَبْقَى عِنْدَكُمْ حَقُّ الإِنْجِيْل.

 

بعدما اختبر بُوْلُس، في خدمة السَّنوات الطَّويلة، انتصار المسيح بين الأمم الوثنيَّة، في مدن أسيا الصُّغرى، صعد مع بَرْنَابَا، رفيقه في الإيمان، إلى أورشليم، مركز النَّامُوْسِيّين، ليُثبت حقَّ الخلاص بالنِّعْمَة ضدَّ المُضِلِّين الذين بشَّروا بقَدَاسَة نابعة مِن حِفْظ النَّاموس، إلى جانب تبرير المسيح للخاطئ. والرَّب نفسُه منح بُوْلُس رؤيةً، وأرسله لهذه الغاية لئلاّ يُقِرَّ المؤمنون من الأمم ممارسة الطقوس اليهوديَّة، بل يكتفوا بالخلاص الكامل في الصَّلِيْب، وهم متحرِّرون مِن جميع الأساليب العتيقة.

 

وإظهاراً للحرية المَسِيْحِيّة تقدَّم بُوْلُس إلى أورشليم، لأنَّ المسيح قد حرَّر عبده مِن تحريم اليهود لبعض الأطعمة والأشربة، وكذلك من الانفصال عن غير اليهود.

 

فعرف بُوْلُس أنَّ جميع الناس خطاةٌ متبرِّرون في المسيح. وتحرَّر بُوْلُس مِن مطالب الناموس، لأنَّ المسيح أكمل شريعة الله عوضاً عنَّا، وأنقذنا مِن حرفيَّة النِّير اليهودي. فالحرِّية المَسِيْحِيّة تعني أيضاً الحريَّة مِن الخطيَّة، لأنَّنا متنا مع المسيح عن التَّجارب، وحلَّ في قلوبنا روح محبَّته، كناموسٍ جديدٍ، مانحاً إيَّانا القوَّة على تنفيذ إرشاداته. وهكذا تحرَّرْنا مِن الموت، لأنَّ روح الرَّب العامل فينا هو الحَيَاة الأَبَدِيَّة. فتخلَّصنا مِن جميع القوى السَّلبية في الدُّنيا، وأصبحْنا أحراراً حقّاً، لنَخدم اللهَ الحيَّ بسلوك الشُّكر، وقَدَاسَة التَّحمُّل.

 

إظهاراً لهذه الحرِّية جاء بُوْلُس بتيطُس تلميذه الذي لم يختتن، لأنَّ في هذا الشَّاب ظهرَت جليّاً قوَّةُ الله المُنبثقة مِن موت المسيح، لتَجعلَ مِن الفاسد إنساناً جديداً مُنعماً بالمحبَّة والحقِّ والطَّهارة. لم يعرف هذا الشَّاب أحكام الناموس المتفرِّعة، بل ثبت في ربِّه بدونها. فكان تيطس هذا برهاناً قاطعاً على دين النِّعْمَة الحقِّ.

 

هل أصبحتَ أنت أيضاً بُرهاناً حيّاً على قوَّة المسيح، كتيطُس؟ أم أنَّك ما زلت تُنكر قُدرة الصَّلِيْب بسلوكك؟

 

سُرعان ما أدرك زعماء المَسِيْحِيّة، في هذا المجمع المسكوني الأوَّل، ثمار الرُّوْح القُدُس في تيطس، من خلال فرحه وسلامه وصبره. فلم يُجبر أحدٌ هذا الأخَ اليونانيَّ على حفظ الناموس والاختتان، بعدما ختنه الرُّوْح القُدُس في قلبه. وبقبولهم ممثِّل الكنيسة الأمميَّة هذا، قبلوا أيضاً الكنائس الجديدة ومبدأ النِّعْمَة والخلاص المجاني المُتمَّم في الصَّلِيْب وحده. بَيْدَ أنَّ بعض المؤمنين لم يثقوا ببُوْلُس الرَّسُوْل، لأنَّهم لم يتصوَّروا أنَّ الإنسان يستطيع أن يخلص بدون حفظ متفرِّعات الشَّريعة، بل سعوا إلى بناء الخلاص على أَعْمَال الإنسان، وليس على النِّعْمَة وحدها. فهاجمهم بُوْلُس جهاراً بمحبَّة، كي لا يضعف تعليم الخلاص بالإيمان نتيجة التَّمسك باجتهاداتٍ باطلةٍ. وبرهن لهم أن ليس إنسانٌ يخلص بأَعْمَال الناموس، بل بالإيمان بدم المسيح وحده.

 

الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، نشكرك لأنَّك خلَّصتَنا مِن عبوديَّة الناموس وخطايانا والموت، بكفَّارة المصلوب، وجعلتَنا أحراراً كي نخدمك في قوَّة روحك. فساعدنا على ألاَّ نخلط الإنسانيَّة بنعمتك، ولا نُحاول تقديس أنفسنا بقوانين بشريَّة، بل أن نتمسَّك ببهجة الخلاص المُتمَّم على الصَّلِيْب، لِنُعظِّمك مع جميع الأحرار في روحك القُدُّوْس.

 

السُّؤَال:

10- ما هي الحرِّية المَسِيْحِيّة؟

 

2: 6  وَأَمَّا الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ شَيْءٌ مَهْمَا كَانُوا لاَ فَرْقَ عِنْدِي. اَللهُ لاَ يَأْخُذُ بِوَجْهِ إِنْسَانٍ. فَإِنَّ هَؤُلاَءِ الْمُعْتَبَرِينَ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ بِشَيْءٍ، 7 بَلْ بِالْعَكْسِ إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيْل الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيْل الْخِتَانِ. 8 فَإِنَّ الَّذِي عَمِلَ فِي بُطْرُسَ لِرِسَالَةِ الْخِتَانِ عَمِلَ فِيَّ أَيْضًا لِلأُمَمِ. 9 فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَة الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ لِنَكُونَ نَحْنُ لِلأُمَمِ وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ. 10 غَيْرَ أَنْ نَذْكُرَ الْفُقَرَاءَ. وَهَذَا عَيْنُهُ كُنْتُ اعْتَنَيْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ

 

كان بُوْلُس، قبل هذا المجمع المسكوني الأوَّل، يَخدم الرَّب بدون علاقة مباشرة ببطرس المقدام بين الرُّسُل. ولكن بعدَما أفسد النَّامُوْسِيّون الثِّقة المتبادَلة بين الكنيسة في القدس والكنائس التَّابعة لأَنْطَاكِيَة، رأى بُوْلُس ضرورة ذهابه إلى أعمدة الكنيسة، ليس لينال منهم فضلاً أو حقّاً لبشارته، بل ليبرهن أمام أعداء الخلاص بالنِّعْمَة أنَّه ورُسُل المسيح متلاحمون في وحدة المحبَّة والإجماع على التَّعليم المبنيِّ على الصَّلِيْب والقيامة، وليس على النَّاموس.

 

وبعدَما سمع المسؤولون في القدس أخبار بَرْنَابَا وبُوْلُس، وصلَّوا كثيراً، وتباحثوا طويلاً، خضع بطرسُ ويوحنَّا ويعقوبُ أخو بُوْلُس لإرشاد الرُّوْح القُدُس، وأقرّوا مطيعين بحقيقة الخلاص المجَّاني، وبرهنوا بذلك على اعتبارهم بُوْلُس رسولاً حقّاً، وعلى وحدتهم معه أمام الجميع بوضع الأيدي المتبادَل. فالمحبَّة أقوى مِن تعارض الأفكار. لقد بلوَر روح المسيح في أذهان الأكثريَّة معرفة الحقيقة أنَّ الرَّب وحده، وليس حفظ الناموس، هو الذي يُخلِّص الخطاة.

 

لم يضع الرُّسُل الكبار على بُوْلُس وكنائسه أيَّ فريضةٍ، إلاَّ أنَّهم بسطوا أمامه بعض الطّلبات الأخويَّة، لكي يتمكَّن المؤمنون مِن أصل يهودي من معاشرة المَسِيْحِيّين الأمميين. فامتنع أتباع المسيح في اليونان، بدافع المحبَّة، عن أكل لحوم الحيوانات المخنوقة والدَّم، وتطوَّعوا لجمع تبرُّعاتٍ لأجل المؤمنين الفقراء في القدس المُضطهَدين مِن قبل اليهود.

 

وإضافةً إلى هذه الحرِّية في الكنائس العالميَّة مِن نير الأحكام اليهوديَّة، اعتبر المسؤولون في القدس الكنائسَ المتفرِّقة في أنحاء العالم، المبنيَّة على النِّعْمَة، كنائس حقَّةً، وهُم واحدٌ معها في جسد المسيح الرُّوْحِيّ.

 

وشكر الرُّسُل يسوع لأنَّه أرسل بُوْلُس إلى الأمم، كما بطرس وسائر الرُّسُل إلى اليهود. فأجمع هذا المؤتمر المسكوني المُهمُّ على مساواة بُوْلُس ببطرس، وعلى أنَّ الرب قد استودع بين يدي بُوْلُس جميع الأمم. فلم يرَ بُوْلُس هذا الاعتبار، الذي قَبِله بتواضعٍ، ضروريّاً للتَّأكيد على السُّلطان المُعطى له من يسوع؛ فذهب إلى أورشليم لدمج كنائسه الأصليَّة، وتقوية المؤمنين في يقينهم بالنِّعْمَة، وتثبيت ثقتهم بوظيفة رسول الأُمم.

 

لقد تعب الرُّسُل في سبيل وحدة الكنيسة، وحِفْظ التَّعليم الصَّافي، ونجحوا في إرشاد الرُّوْح القُدُس. ليتنا نمارس نحن أيضاً هذه المبادئ في اجتماعاتنا الصَّغيرة، فتنمو المحبَّة والإيمان والرَّجاء في كثيرين.

 

الصَّلاَة: أيُّها الرَّب، أنت رأسُ الكنيسة، ونحن آسفون لأجل انقسامات جسدك الرُّوْحِيّ، والأخطاء الظَّاهرة في تعليم إِنْجِيْلك الصَّافي. امنحنا التَّواضع المتبادَل، والمحبَّة، وإدراك الحقِّ، لكي نقترب بعضُنا مِن بعضٍ باقترابنا منك، ونُصغي إلى صوت روحك القُدُّوْس، فتهَب لمُحِيْطنا مِن جديد نهضةً روحيَّةً، ويعمّ الشُّكرُ في المحبَّة الإِخْوَة جميعاً.

 

السُّؤَال:

11- ماذا كانت غاية ونتيجة مؤتمر الرُّسُل الأوَّل؟

 

بِنِعْمَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
 نُؤْمِنُ أَنْ نَخْلُصَ

(أَعْمَال الرُّسُل 15: 11)

 

4- تفوُّق بُوْلُس على بُطْرُس في الثَّبات في النِّعْمَة

(2: 11- 21)

 

2: 11 وَلَكِنْ لَمَّا أَتَى بُطْرُسُ إِلَى أَنْطَاكِيَة قَاوَمْتُهُ مُوَاجَهَةً لأَِنَّهُ كَانَ مَلُومًا. 12 لأَِنَّهُ قَبْلَمَا أَتَى قَوْمٌ مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ الأُمَمِ وَلَكِنْ لَمَّا أَتَوْا كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ خَائِفًا مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ. 13 وَرَاءَى مَعَهُ بَاقِي الْيَهُودِ أَيْضًا حَتَّى إِنَّ بَرْنَابَا أَيْضًا انْقَادَ إِلَى رِيَائِهِمْ.

 

لقد أعلن المسيح لبطرس أنَّ الأمم قد تطهَّرَت بالصَّلِيْب، وليس بالنَّاموس. وأدرك بطرس هذه الحقيقة، حين أراه الله، في رؤيا، ملاءةً كبيرةً نازلةً مِن السَّماء، ممتلئةً ديداناً وعقارب وحيواناتٍ غريبةً، وقال له: قم اذبح وكُلْ؛ وعندما عارض بطرس أمر ربِّه، وضَّح له الله معنى الرُّؤيا قائلاً له: إنَّ كُلَّ ما طهَّره الله هو طاهرٌ. فجميع الناس طاهرون، إن هم آمنوا بالمسيح الذي طهَّرهم حقّاً مِن كلِّ إثمٍ. لذلك عاش بطرس مع المؤمنين الأمميِّين، متجاوزاً تقاليد آبائه حُبّاً بالمسيح، وإيماناً منه بأن لا فرق بين مؤمنٍ من اليهود وآخَر مِن الأُمم، لأنَّ الجميع خطاةٌ متبرِّرون بالنِّعْمَة، بالفداء الذي تمَّ على الصَّلِيْب.

 

ولكن عندما زار بطرس الكنيسة في أَنْطَاكِيَة، جاء أتباع يعقوب المتعصِّبون للنَّاموس مِن أورشليم، ليتجسَّسوا على تصرُّفات بطرس المتحرِّر مِن الشَّريعة، ويشتكوا عليه بَعْدَئِذٍ أمام الإِخْوَة الذين من أصلٍ يهودي، كي يرفضوا بدورهم زعامته. فخاف بطرس، وأفرز نفسه مستحياً. وهكذا انشقَّت شركة المؤمنين في أَنْطَاكِيَة إلى فريقين: الأوَّل يضمُّ المتمسِّكين بأحكام الناموس، والثَّاني يضمُّ المؤمنين بالنِّعْمَة.

 

والغريب في الأمر، هو أنَّ بطرس الذي كان قد تحرَّر في ضميره من جمود الأحكام التَّقليدية، ولم يشأ أن يضع نير الشَّريعة على أكتاف المؤمنين من الأمم، خاف مِن أتباع يعقوب، فتظاهر بأنَّه ما زال يهوديّاً مُخْلصاً خاضعاً كرفيقه للناموس. فقام وانفصل عن المتجدِّدين مِن الأمم.

 

عِنْدَئِذٍ انتفض بُوْلُس بالرُّوْح القُدُس، وأنَّب بطرسَ مُجاهرةً على مراءاته أمام الجميع. فبدا مقدامُ الرُّسُل غير كاملٍ في ذاته، وغير معصومٍ عن الخطأ.

 

كشف بُوْلُس للجميع أوَّلاً أنَّ بطرس كان يعيش معهم بطريقة غير يهوديَّة، كأحد الأُمميِّين، وأنَّه تحرَّر حقّاً بإرشاد الرَّب مِن الكابوس اليهودي.

 

ومِن ثمَّ أوضح لمقدام الرُّسُل أنَّه رُبَّما أجبر المؤمنين من الأمم، بريائه، ودون انتباه، على قبول الشَّريعة الباطلة، والخضوع إلى عبودية الناموس التي لا تستطيع أن تُخلِّص أحداً. وأثبت بُوْلُس شكواه أمام الجميع، بعرض جوهر الفداء، فقال:

 

2: 14 لَكِنْ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لاَ يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيْل قُلْتُ لِبُطْرُسَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا. 15 نَحْنُ بِالطَّبِيعَةِ يَهُودٌ وَلَسْنَا مِنَ الأُمَمِ خُطَاةً 16 إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَال النَّامُوسِ بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَال النَّامُوسِ، لأَِنَّهُ بِأَعْمَال النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا.

 

لم يُنكر بُوْلُس الفرق الظَّاهر بين اليهودي والوثني، لأنَّ الأوَّل لم يرتكب الخطايا عمداً، بل عاش تحت ضغط الناموس في التَّقوى وضبط النَّفس، بينما مارس الوثنيُّون في حفلاتهم التَّعبدية الزِّنى الجماعي، كما اعتقدوا بوجود آلهة متعدِّدة كانوا يظنُّون أنَّها هي أيضاً تتعاشر وتتعايش بالزِّنى والفحشاء. فثمَّة فرقٌ شاسعٌ بين أعضاء العهد القديم وهؤلاء الوثنيِّين البعيدين عن الله الواحد.

 

بَيْدَ أنَّ هذا المستوى مِن التَّقوى لم يُبرِّر اليهودي أمام الله، لأنَّ بالناموس معرفة الخطيَّة واليأس، وليس قوَّة القَدَاسَة والخلاص. فلو استطاع النَّاموس أن يُخلِّص إنساناً واحداً، لَكان مجيء المسيح غير ضروري. ولكنَّ المسيح بمجيئه رفع خطيَّة العالم، وكفَّر عن فحشاء الأمم، وطهَّر آل إبراهيم في آنٍ واحدٍ، لأنَّه لا خلاص بالناموس والأَعْمَال، بل دينونة وهلاك.

 

كان لكلام بُوْلُس هذا وَقْعُ الصَّاعقة على الجمع في أَنْطَاكِيَة. وأثبت الرُّوْح القُدُس الحقَّ للقلوب، لأنَّ الخلاص الفريد يتحقَّق فينا بالتصاقنا الإيماني بالمسيح. فمَن يرتبط بيسوع يتبرَّر أمام الله؛ لأنَّ المسيح كما رفع خطايانا حسب لنا برّه مجّاناً. فإيمانك هو الذي خلَّصك، وليس جهودك الدِّينية أو الخيريَّة.

 

الصَّلاَة: أيُّها الرب يسوع المسيح، نشكرك من صميم قلوبنا لأنَّك خلَّصتَنا مرَّةً واحدةً، حين متَّ على الصَّلِيْب لأجلنا. ونشكرك لأنَّ رسولك بُوْلُس قد ثبت في حقِّ إِنْجِيْل نعمتك. ساعدنا بواسطة شهادته عنك على ألاَّ نرجع إلى عبودية الناموس. نسألك أن تحرِّر كثيرين في أيَّامنا هذه مِمَّن لا يزالون عبيد الشَّرائع، لكي يذوقوا معنا حرِّية الشَّركة معك وبهجة خلاصنا الذي اقتنيتَه لجميع الناس بموتك. آمين.

 

السُّؤَال:

12- لماذا قاوم بُوْلُسُ بطرسَ بشدَّةٍ؟

 

2: 17 فَإِنْ كُنَّا وَنَحْنُ طَالِبُونَ أَنْ نَتَبَرَّرَ فِي الْمَسِيحِ نُوجَدُ نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا خُطَاةً أَفَالْمَسِيحُ خَادِمٌ لِلْخَطِيَّةِ. حَاشَا. 18 فَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَبْنِي أَيْضًا هَذَا الَّذِي قَدْ هَدَمْتُهُ فَإِنِّي أُظْهِرُ نَفْسِي مُتَعَدِّيًا. 19 لأَِنِّي مُتُّ بِالنَّامُوسِ لِلنَّامُوسِ لأَِحْيَا لِلَّهِ.

 

نظر بُوْلُس باهتمامٍ إلى بطرس والنَّامُوْسِيّين حوله والإِخْوَة مِن الأُمم، وقال للجمع المتزعزع: إنَّ الذين يفتكرون أنَّ البِرَّ الذي أعدَّه المسيح لأجلنا لا يكفي، ويظنُّون أنَّ عليهم أن يُضيفوا عملاً لتكميل فدائه بواسطة خدماتهم البشريَّة، هم الذي يشهدون، بخداع أنفسهم، أنَّهم ما زالوا خطاةً محتاجين إلى التَّبرير، وأنَّ المسيح لم يصل فيهم إلى الغلبة التَّامة. فمَن يهتمّ بأحكام الطعام والشراب، قاصداً تطهير نفسه داخلياً بوضوءات خارجيَّة، يُقرُّ بتصرُّفاته هذه، أنَّ المسيح لم يَغلب الخطيَّة تماماً، بل إنَّ الخطيَّة أقوى منه، ومنتصرة عليه، كأنَّما الرَّب خادم الخطيَّة. فعدم الإيمان بالنِّعْمَة الكاملة هو تجديفٌ على المسيح. إنَّ كثيراً من المَسِيْحِيّين اليوم يُعرجون بين الناموس والنِّعْمَة، غير عالمين أنَّهم بعدم تسليمهم الكامل للنِّعمة يُنْقِصون مِن شأن المسيح ومِن مَجده.

 

هجر بُوْلُس بيتَ الناموس لأنَّه اختبر جوَّه الضَّيق الخانق، فهدم في قلبه أسوار السِّجن الذي كان مُطبقاً عليه سابقاً، ولم يَقبل بَعد أن يعيش في دور الشَّريعة، لأنَّ مراياها أظهرته متعدِّياً هالكاً، فانتقل من محكمة الشريعة إلى رحاب المسيح وثبت فيها. لم يشأ بناء البيت القديم، لأنَّ التَّمسك بأيِّ وصيَّةٍ من أحكام الناموس معناه الحُكم المطلَق على المتمسِّك بها.

 

وهكذا مات بُوْلُس بالنَّاموس عن كبريائه، وتخلَّى عن تعليقه الآمال على برِّه الشَّخصي، ورأى نفسه مُداناً ومرفوضاً في غضب الله. فكلُّ مَن يبني نفسه على الشَّريعة لا رجاء له، بل يعيش مرائياً خادماً نفسه.

 

والعجيب أنَّ هذه المعرفة التي لم تجد سبيلها إلى بُوْلُس طوال مدَّة حياته التي قضاها كناموسيٍّ، قد تجلَّت له فجأةً بظهور المسيح له في المجد. عِنْدَئِذٍ أدرك حالة نفسه، فتحطَّم اعتقاده بالناموس، وعلم أنَّ اجتهاداته كلَّها لم تُقرِّبه من الله، بل جعلَته عدوّاً لابنه. وبإدراكه هذه الحقيقة الجوهريَّة انقلب على البِرِّ النَّامُوْسِيّ المزيَّف، وتمسَّك بالنِّعْمَة المُبرِّرة مجَّاناً بدم المسيح. فلم يؤمن بعد بأَجْرٍ أو مكافأةٍ إلهيَّةٍ على أَعْمَاله الصاَّلحة، بل عاش لله متبرِّراً بالنِّعْمَة.

 

2: 20 مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ إِيمَانِ ابْنِ اللهِ الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَِجْلِي. 21 لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللهِ، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ

 

شهد بُوْلُس أمام بطرس بإيمانه بكلِّ بلاغةٍ، مبرهناً له أنَّ الإيمان ليس مركَّباً مِن فكرٍ وعِلمٍ ومجرَّد اعتقادٍ، بل هو الموت عن الخطيَّة والأنا، والحَيَاة الجديدة في المسيح. فتقدَّم بُوْلُس إلى جوهر إيماننا بكلامه هذا عن صَلبنا مع المسيح وقيامتنا معه إلى الحَيَاة الإلهيَّة. فمَن تعلَّق بيسوع مات معه وانفصل عن الخطيَّة والناموس والموت والتَّجارب والحساسية المرهَفة، لأنَّ محبَّتنا للمسيح تُعلِّمنا أن نُبغض الخطيَّة ونرفضها بكلّ عزيمةٍ. ويرى المؤمنون، في الوقت نفسه، عمل روح الله القُدُّوْس في ذواتهم، وهذا الروح هو حياة المسيح وشخصه. فيستطيع المَسِيْحِيّ أن يقول بكلٍِّ تواضعٍ ويقين: إنَّ المسيح يحيا بملئه فيَّ.

 

لا شكَّ أنَّ لنا هذا الإيمان بالتَّصيير، وليس بادِّعاء الكمال، لأنَّ الصِّراع بين الروح والجسد يستمرُّ ليلاً نهاراً. إنَّما ارتباطُنا الإيماني بابن الله يكفل لنا تكميله إيَّانا بالنِّعْمَة، لأنَّه حيٌّ، ويُحبُّنا، وقد برهن على محبَّته لنا بموته عوضاً عنّا. فنستطيع أن نشهد لك أنَّ المسيح يُحبُّك شخصيّاً، وقد مات مِن أجلك، وقام لتبريرك. فأنت لست وحدك، فهو ينصرك ويُكمِّلك إنْ ثَبَتَّ فيه، ولم تنفصل عنه أبداً.

 

يناديك بُوْلُس الرَّسُوْل قائلاً: لا استقامتك، ولا حفظك للوصايا، ولا نَسَبك الأصيل، ولا شهاداتك الدِّراسية العليا كلُّها تُخلِّصك؛ بل إنَّ ما يُخلِّصك هو نعمة المسيح وحدها. فإن ارتبطتَ بالإيمان بحَمَل الله، فلن تحتاج إلى بِرٍّ زائدٍ؛ ولكن إن ظننتَ أنَّ عليك أن تُضيف برّاً خاصّاً إلى بِرِّ المسيح، فتشهد بهذا الخطأ أنَّ المسيح لم يغفر ذنوبك حقّاً، وتجعله كاذباً. لكنَّنا نحمد الله على مصالحة يسوع العالم بالله. فمن يؤمن يتبرَّر، ومَن يعرف المسيح يُعظِّم النِّعْمَة بوصفها الطَّريق الوحيد للخلاص.

 

هكذا أوضح بُوْلُس لقُرَّائه في غَلاَطِيَّة أنَّه رسول المسيح المُعيَّن للأُمم، وأنَّه غير مرتبط ببطرس، بل منسجم معه في مبادئ الخلاص، وقد وبَّخه عندما أخطأ، دون أن يتمكَّن هذا الأخير من الاحتجاج عليه. فبرهن بُوْلُس أنَّه رسول المسيح حقّاً، وحرَّرَنا مِن الخضوع للمبادئ اليهوديَّة. فنحن لسنا ناموسيِّين بل أحياء في المسيح ثابتين في نعمته.

 

الصَّلاَة: أيُّها الرب يسوع المسيح، نُعظِّمك ونشكرك لأنَّك أوجَدْتَ فداءً كاملاً، وبرَّرتَنا نهائيّاً، فلسنا بحاجةٍ إلى إضافة أَعْمَالنا النَّاقصة. ساعدنا على أن نشترك في موتك وقيامتك، فنعتبر أنفسنا أمواتاً عن الذُّنوب والناموس والدُّنيا كلِّها، ونحيا فيك كما أنت ساكنٌ فينا بملء سلطانك، ونُحبّك لأنَّك أحببتَنا أوَّلاً. أنت ابنُ الله القدير مخلِّصنا ومُكمِّلنا.

 

السُّؤَال:

13- ما هو جوهر إيماننا؟

 

 

 

 

 

 

ثالثاً:

النَّامُوسُ والإِنْجِيْلُ

بمقاصِدِهما

ونتائِجِهما

 

 

 

(3: 1- 4: 31)

1- المؤمِن وحده ينال هبة الرُّوْح القُدُس

(3: 1- 5)

 

الأَصْحَاح الثالث: 1 أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّوْنَ الأَغْبِيَاءُ مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لاَ تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ أَنْتُمُ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا. 2 أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ مِنْكُمْ هَذَا فَقَطْ أَبِأَعْمَال النَّامُوسِ أَخَذْتُمُ الرُّوحَ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ. 3 أَهَكَذَا أَنْتُمُ أَغْبِيَاءُ. أَبَعْد َمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمِّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ. 4 أَهَذَا الْمِقْدَارَ احْتَمَلْتُمْ عَبَثًا إِنْ كَانَ عَبَثًا. 5 فَالَّذِي يَمْنَحُكُمُ الرُّوحَ وَيَعْمَلُ قُوَّاتٍ فِيكُمْ أَبِأَعْمَال النَّامُوسِ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ.

 

بعدَما قدَّم بُوْلُس الرَّسُوْل، في الأَصْحَاحين الأوَّلَين، لكنائسه المضطربة، بُرهاناً تاريخيّاً على سُلطانه الرَّسُوْلي، وصِحَّة إِنْجِيْله، ابتدأ يُعلِّمهم بالتَّفصيل كيف أنَّ الإيمان وحده هو الذي يُبرِّر الإنسان أمام الله، وليس سلوكه، ولا سيرته، ولا حفظه للطُّقوس والشَّرائع.

 

كانت الكنائس الغَلاَطِيَّة نشيطةً وحيويَّةً في مرحلتها الأولى، ولكنَّها ضعفَت فجأةً، وكأنَّ عيناً شرِّيرةً قد أصابتها، فاضمحلَّت الرُّؤية الثَّاقبة، وتمييز الأرواح، والإيمان الشُّجاع؛ ودخلت الشُّكوك والتَّساؤلات حول مبدأ الإيمان.

 

لم يسمع الغَلاَطِيُّوْنَ في كرازة بُوْلُس قَطّ حضّاً على الأَعْمَال الإنسانيَّة الصَّالحة، أو الخضوع للنَّواميس كشرطٍ للعهد الجديد. بل إنَّه رسم لمستمعيه ابن الله مصلوباً أمام أعينهم، كما عُلِّق على خَشَبَة العار، وكفَّر عن خطايا العالم. فهل المصلوب هو شُغل حياتك الشَّاغل، أم أنَّ لك أهدافاً أخرى؟ لا تدَع صورته وهو فاتحٌ ذراعيه لأجلك تُبارح ذهنك، فهو ملجأك الوحيد في هذه الدُّنيا، وشفيعك الوحيد في الآخرة.

 

إنَّ كلَّ مَن يعترف بخطاياه أمام المسيح، ويؤمن بنيابته عنَّا في غضب الله، يتقدَّس، وينال هِبة حياة الله في عطيَّة الرُّوْح القُدُس. ما أعظم قُرب الله مِنَّا، فروح الرب هو الرب نفسه. وهذا الروح القُدُّوْس يحلُّ فينا، ليس لأيِّ صلاحٍ فينا، بل بالعكس، لأنَّنا نعترف بخُبثنا وعدم صلاحنا؛ فتجعلنا قوَّة الله صالحين وممتلئين من المحبَّة الأزليَّة.

 

إنَّ حلول الرُّوْح القُدُس في الإنسان هو نتيجةٌ لموت المسيح. فمنذ أن رفع المصلوب خطايا العالم، لم يوجد بعد ما يمنع إتيان الروح المعزِّي إلى التَّائبين. لكنَّ هذا الروح القُدُّوْس لا يحلُّ في غير المؤمنين بابن الله وكفَّارته. فمَن يؤمن بالابن له الحَيَاة، ومَن لا يؤمن بالابن ليست له الحَيَاة. ومَن يُحبّ المُحِبَّ يتغيَّر إلى محبَّته.

 

هل امتزجَت حياتك بالرُّوْح القُدُس؟ إنَّه لا يُقدِّسك شكليّاً بأساليب خارجيَّةٍ، كالامتناع عن الشُّرب واللَّعب ومجاراة التَّيار والأزياء وغير ذلك، لأن ليس ثمَّة ما يُطهِّرك سوى دم المسيح وروحه القُدُّوْس. فالمسيح هو قداستنا.

 

وإذ يحلُّ روح الرب في المؤمن المتبرِّر، فإنَّه يُقدِّسه إلى التَّمام, ويُغيِّر ذهنه وتصرُّفاته، ويقوده إلى أَعْمَال المحبَّة. فأهمُّ سؤالٍ في حياتك الإيمانيَّة هو: هل حلَّ الرُّوْح القُدُس في قلبك؟

 

لا تتهرَّب مِن هذا السُّؤَال الجوهري، بل اسأل ربَّك مُصلِّياً: أين أنا في حالتي الرُّوْحِيّة؟

 

وإن سألتنا كيف نحصل على قوَّة الله، نُجاوب: إنَّ إيمانك يُوحِّدك بابن الله الحنون الذي يَبثُّ فيك جوهره. فبدون التصاقك بالمسيح طوعاً وإلى الأبد، لا يَثبت الرُّوْح القُدُس فيك. فلا تَغْتَرّ، لأنَّك إن لم تُكرِّس حياتك كاملةً لمخلِّصك المصلوب فلن تختبر قوَّة روحه، حتَّى وإن عرفتَ الكِتَاب المُقَدَّس عن ظهر قلب، ووُلِدْتَ مسيحيّاً، وتعمَّدْتَ شكليّاً. إنَّ إيمانك هو الذي يُخلِّصك، وإيمانك هو استسلامك النِّهائي والمُطْلَق ليسوع المسيح ربِّك.

 

إنَّ الشَّيْطَان يُجرِّب القدِّيسين في المسيح، بحثِّهم على مطاوعاتٍ لم يَدْعُهُم المسيح إلى ممارستها، وكأنَّ الصَّلِيْب لا يكفيهم، أو أنَّ قَدَاسَة الروح تحتاج إلى إضافة بشريَّة. فلا تنسَ أيُّها الأخ المحبوب أنَّ بالإيمان وحده أعطاك الله قوَّة روحه. آمِن فقط، فتنفتح طاقات السَّماء لك.

 

إنَّ المؤمنين النَّاضجين ليسوا بمعصومين مِن هذه التَّجربة، فهُم وإنْ تغلَّبوا على الاضطهادات، عُرضةٌ للسُّقوط أحياناً في تجربة تقديس ذواتهم مهينين بذلك موت المسيح. وثمَّة موهوبون بالقدرة على الشِّفاء والصَّلاَة الفعَّالة يعثرون في التَّساؤل حول كيفيَّة موت المسيح لأجل تقديسهم.

 

الصَّلاَة: أيُّها الآب، نشكرك لأنَّك صالحتَ العالم بذبيحة ابنك، وبرَّرتَنا، وقدَّستَنا تماماً في موته. نسجد لك كأمواتٍ أحيَيْتَهُم بروحك القُدُّوْس، ونطلب إليك أن تحفظنا مع جميع قدِّيسيك من محاولات تقديس أنفسنا بأنفسنا، بواسطة القوانين والشَّرائع والأحكام البشريَّة، لكي لا نُهِين عظمة صليب ابنك الذي كمَّلنا بالفداء مرَّةً واحدةً إلى الأبَد.

 

السُّؤَال:

14- كيف نَخْلُص؟

 

إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوْس

الَّذِي هُوَ عَرَبُونُ مِيرَاثِنَا

(أفسس 1: 13- 14)

 

2- المسيحُ حرَّرَنا مِن لعنة النَّامُوسِ ،

وحقَّق بركة إِبْرَاهِيمَ لجميع الأُمَمِ

(3: 6- 14)

 

3: 6 كَمَا آمَنَ إِبْرَاهِيمَ بِاللَّهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا. 7 اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولَئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ. 8 وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى أَنَّ اللهَ بِالإِيمَانِ يُبَرِّرُ الأُمَمَ سَبَقَ فَبَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ . 9 إِذًا الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ الْمُؤْمِنِ. 10 لأَِنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَال النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ لأَِنَّهُ مَكْتُوبٌ مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ.

 

كان إبراهيم، ككُلِّ إنسانٍ آخَر، خاطئاً. لكنَّه عندما سمع وعد الله آمن به، واتَّكل عليه، حتَّى في الأمور التي بدت له غير منطقيَّةٍ بل مستحيلة. فوثق بالله، وصدَّق وعده، فباركه الله، ليس لأيِّ صلاحٍ فيه، بل لإيمانه بأمانة الله، فَحُسِبَتْ لَهُ ثقته الشُّجاعة بِرّاً.

 

لهذا السَّبب ليس اليهود ولا أرومة إسماعيل أبناءً حقيقيِّين لإبراهيم، بل إنَّ المؤمنين في جميع أنحاء العالم هم آل إبراهيم، لأنَّهم يبنون أنفسهم على محبَّة الله، ويتَّكلون على كلمته أكثر من اتِّكالهم على عقولهم واختباراتهم وأحلامهم. فإبراهيم هو أبو المؤمنين وقدوتهم، وكلُّ مَن يتمثَّل به يُحسَب مِن ذرِّيته، وينال بِرَّ الله، ليس بفضل سلوكه وأفضاله، بل لثقة قلبه بالمُخلِّص.

 

إنَّ بُوْلُس، بإشارته إلى إبراهيم أبي المؤمنين، قد انتزع مِن المضِلِّين حجَّتهم المزعومة بأنَّ الغَلاَطِيِّيْنَ تنقصهم بركةٌ هامَّةٌ، لأنَّهم ليسوا مِن أرومة أبي الوعد. فبرهن بُوْلُس العكس، وهو أنَّ المؤمنين وحدهم هم أولاد إبراهيم.

 

والله، عندما اختار إبراهيم وباركه، لم يقصد أولاد إبراهيم حسب الجسد فقط، بل جميع الأمم؛ لأنَّ دعوته كانت، من اللَّحظة الأولى، مُعيّنة بركة لجميع الشُّعوب. فلا مجال للتَّعصُّب العنصري في التَّمسك بإبراهيم.

 

إنَّ مَن يُجرِّب إرضاء الله بتقواه الخاصَّة يسقط تحت لعنة النَّاموس، لأنَّ عدالة الله تحكم باللَّعنة على كلِّ مَن لا يُتمِّم الوصايا حتَّى النُّقطة الأخيرة. فمَن يَرْجُ خلاصه لأجل تقواه بحسب الناموس يفشل حتماً. ولا تنسَ أنَّ الأتقياء المتديِّنين هم الذين كانوا وما زالوا أعداء المسيح، لأنَّهم ظنّوا أنَّهم ليسوا بحاجة إلى التَّوبة، فصلبوا المسيح بتقواهم الزَّائفة، غير عالمين أنَّهم خُطاةٌ فاسدونْ. فأكبر مانعٍ لحلول الرُّوْح القُدُس في القلب واستمرار عمله فينا هو اعتبار أنفسنا مُهِمِّين ومُميَّزين عند الله. إنَّ كلَّ مَن يقدر نفسه أكثر مِن قَدْرها هو إنسانٌ سطحيٌّ، لا يعرف الله في حقيقته، ولا النَّاموس في صرامته، لأنَّ العبودية للناموس لا تأتي إلاَّ بغضب الله. وسبب هذا الحكم القاطع هو قَدَاسَة الله نفسه، لأنَّه يقول: "كونوا قدِّيسين لأنِّي أنا قُدُّوْس". فكلُّ خطأٍ أو زللٍ في وصيَّةٍ واحدة،ٍ وإن كان سهواً يستوجب الهلاك. فالله يَطلب منَّا بواسطة ناموسه الكمال لا أقلّ. وكل مَن لا يكمل في القَدَاسَة والمحبَّة والصِّدق والطَّهارة هو ملعونٌ.

 

الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس، أنت المتعالي الكامل القُدُّوْس الحّقُّ، وما أنا إلاَّ كمزبلةٍ، مُفعم بالسَّيئات، فكراً وقولاً وعملاً. لا تدنِّي حسب ناموسك وقداستك، بل ارحمني حسب رحمتك. أعترف أمامك بفسادي، وأومن بمحبَّتك لكلِّ تائبٍ مُنكسِر. اللهم ارحمني أنا الخاطئ.

 

السُّؤَال:

15- مَن هم بنو إبراهيم، ولماذا؟

 

3: 11 وَلَكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ لأَِنَّ الْبَارَّ بِِالإِيمَانِ يَحْيَا. 12 وَلَكِنَّ النَّامُوسَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ بَلِ الإِنْسَانُ الَّذِي يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا. 13 اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَِجْلِنَا لأَِنَّهُ مَكْتُوبٌ مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَة. 14 لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ

 

برهن بُوْلُس للكنائس في غَلاَطِيَّة أنَّ كلَّ مَن يبني نفسه على شريعة موسى لا يجني إلاَّ لعنةً وهلاكاً ودينونةً. فكلُّ مَن يتديَّن ويتشدَّد في تديُّنه زاهداً ومتقشِّفاً يغترُّ ويخدع نفسه، لأن لا حفظ الأعياد، ولا الختان، ولا ترديد الصَّلوات المحفوظة، ولا الحجّ، ولا التَّبرعات تنفعك شيئاً، طالما أنَّ خطاياك قائمةٌ ضدَّك، ومشتكيةٌ عليك، ولا يُمكنك أن تكتم صراخها.

 

لعلَّ الغَلاَطِيِّيْنَ تساءلوا: "ماذا يبقى لنا إنْ لم نَعبد الله بناموسه المقدَّس؟" فأجابهم رسول الأمم: "إنَّ البارَّ بالإيمان يحيا". فالبرُّ يحصل بالإيمان بنعمة الله. ومَن يؤمِنْ يحيَ، لأنَّ حياة الله الجديدة لا تحلُّ في الإنسان إلاَّ بالتَّمسك بيسوع وعمله الفدائي. أجل، إنَّنا نقرأ في الناموس الوعدَ بأنَّ مَن يحفظ جميع الوصايا دون نقصان يحيَ. وإذْ لم يفعل أحدٌ ذلك، فجميعُنا مُدانون تحت اللَّعنة.

 

ليس فينا شيءٌ صالحٌ، إنَّما الناموس يُحرِّكنا للعمل الذَّاتي، ويُشجِّعنا على الثِّقة بقدراتنا البشريَّة، فنظنّ أنَّنا صالحون، رغم أننا مُجرمون فاسدون ضالُّون.

 

هكذا ظهر الفريسيون والكتبة والنَّامُوْسِيّون في زمن يسوع، فلم يؤمنوا به، ولم يتوبوا، لأنَّهم اغترّوا بأنفسهم. أمَّا المؤمن فلا يتَّكل على ذاته، بل يعترف بفجوره، ملتمساً مِن الرَّب النِّعْمَة والغفران. فالإيمان الحقُّ يُحرِّر مِن الثِّقة بالذَّات، ويُقرُّ بعدم صلاح الإنسان، وبحاجته الماسَّة إلى الخلاص.

 

بعد هذا العرض الفكريِّ لمبادئ الإيمان والناموس، شعر بُوْلُس أنَّ أعضاء كنائسه يتساءلون في أذهانهم: "إنَّ لعنة الله لا تزال تضغط علينا، فكيف نخلص؟ هل بمجرَّد الإيمان؟"، فتهلَّل، ودلَّ أحبَّاءه على المصلوب، لأنَّ الصَّلِيْب الذي كان يُعتبَر عند الرومان خَشَبَة العار لم يكن مخصَّصاً لإعدام المجرمين مِن الرومان، بل مِن العبيد والأجانب.

 

وبما أنَّ يسوع عُلِّق على خَشَبَة العار، والقُدُّوْس البارّ ظهر كمجرم ملعون، فقد صار لنا رجاءٌ أنَّ الرَّحيم حمل عارنا، وأبطل اللَّعنة عنَّا، وبرَّرَنا بموته الكَفَّارِيّ. ألا فاعلمي يا نفسي أنَّ القُدُّوْس صار لعنةً لأجلنا! ما أعظم عمق محبَّة ابن الله لنا، الذي اختار الدَّيْنُوْنَة والغضب لكي يتحقَّق وعد الله لإبراهيم فينا.

 

ما هو مضمون هذا الوعد؟ إنَّه حلول الرُّوْح القُدُس في المؤمن، وشركة الله مع الناس. فمَن يؤمن حقّاً بالمسيح يحلّ الرُّوْح القُدُس فيه. أمَّا باقي الناس وأتباع الدِّيانات التي لا تؤمن بابن الله، فهم لا يعرفون روح الرب، ولا يشعرون به، ولا يأتون بثماره، لأنَّ بالمسيح وحده ننال روحه القُدُّوْس.

 

الصَّلاَة: نشكرك أيُّها الرب يسوع لأنَّك متَّ على خَشَبَة العار لأجلنا، فاخترت مكاننا، لنعيش نحن أحراراً في البرِّ والقَدَاسَة. شكراً لمحبَّتك العظيمة. حرِّرنا تماماً مِن اتِّكالنا على ذواتنا، أو على أيِّ ذراعٍ بشريَّةٍ، كي نكرمك بإيمانٍ كاملٍ، فنحيا مِن قدرتك.

 

السُّؤَال:

16- كيف تحرَّرْنا مِن لعنة الناموس؟

 

3- إنَّ حامل البركة ليس الشَّعب اليهودي،

بل المسيح وأتباعه فقط

(3: 15- 18)

 

3: 15 أَيُّهَا الإِخْوَة بِحَسَبِ الإِنْسَانِ أَقُولُ لَيْسَ أَحَدٌ يُبْطِلُ عَهْدًا قَدْ تَمَكَّنَ وَلَوْ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ. 16 وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ وَفِي الأَنْسَالِ كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ وَفِي نَسْلِكَ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ. 17 وَإِنَّمَا أَقُولُ هَذَا إِنَّ النَّامُوسَ الَّذِي صَارَ بَعْدَ أَرْبَعِمِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً لاَ يَنْسَخُ عَهْدًا قَدْ سَبَقَ فَتَمَكَّنَ مِنَ اللهِ نَحْوَ الْمَسِيحِ حَتَّى يُبَطِّلَ الْمَوْعِدَ. 18 لأَِنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْوِرَاثَةُ مِنَ النَّامُوسِ فَلَمْ تَكُنْ أَيْضًا مِنْ مَوْعِدٍ. وَلَكِنَّ اللهَ وَهَبَهَا لإِبْرَاهِيمَ بِمَوْعِدٍ

 

هل تظنُّ أنَّ الله يُحبُّك لأجل صلاحك واجتهادك؟

 

ألَم تُدرك بعد حالة قلبك الشِّرير، والسِّر في محبَّة الله؟ إنَّ الله يُحبُّ الأشرار والصَّالحين على حدٍّ سواء، على القَدْر نفسه، فهو بذل ابنه لكليهما. ومَن يَحيَ في الرُّوْح القُدُس يعلم أنَّ كلَّ إنسانٍ شِّريرٌ جاهلٌ فاسدٌ في طبيعته. والقدِّيسون يُجدِّدون توبتهم على الدَّوام بانكسارٍ لأنَّهم يعلمون حقيقة حالتهم. أمَّا المصلوب فيُبرِّرهم مجَّاناً.

 

مِن المرجَّح أنَّ النَّامُوْسِيّين هم الذين أتوا إلى كنيسة غَلاَطِيَّة بالادِّعاءات الباطلة، والتي منها أنَّ بركة الله ونعمته تخصَّان ذرِّية إبراهيم فقط دون غيرها. فبرهن بُوْلُس للمضطربين، مِن نصِّ سِفر التكوين، أنَّ عبارة "نسل إبراهيم" لا تعني أولاده وأحفاده حسب الجسد، بل تشير إلى شخصٍ واحدٍ هو المسيح الذي فيه تتبارك الأمم كلُّها. فلا مجال للتَّفكير العنصري في هذا الصَّدد، لأنَّ حامل الوعد الذي تتبارك فيه جميع الأمم ليس الشَّعب اليهودي، بل المسيح لا سواه، لأنَّ فيه وحده خلاصة مواعيد الله. فمَن يؤمن يلتصق به، ويثبت فيه، ويشترك في مواعيد الله كلِّها، وينتصر بالمنتصِر.

 

إنَّ وعد الله هو الذي أتى بنعمته. وهذا الوعد لم يتمّ بناءً على أيِّ صلاحٍ، لأنَّ الناموس، كقاضٍ للأحياء، جاء بعد إبراهيم، أي بعدخمسمائة سنة تقريباً من زمن موسى. فالوعد ببركة الله إذاً هو قَبْل الناموس، وغير مرتبط به. فكلُّ مجرمٍ يتبرَّر إن هو آمن حقّاً بالمسيح. هذا هو السِّر الإلهي في عصرنا. إنَّ النِّعْمَة لغير المستحقين فقط.

 

وهذا المبدأ يتناقض وتعاليم الأديان الأخرى وتقاليدها. فنعمة الله لا تستنزلها من السماء لا صلواتُنا، ولا أَعْمَالنا، ولا تسبيحنا، ولا تكريسنا، ولا رجاؤنا، ولا تقشُّفنا، بل إنَّها تأتي إلينا بسبب الوعد بالمسيح فحسْب. فمَن يؤمن به يتقدَّس، سواء كان مسيحيّاً، أو بوذيّاً، أو مسلماً، أو يهوديّاً، أو ملحداً. ومَن يتمسَّك بخَشَبَة الصَّلِيْب، ويَقبل غفران خطاياه بدم الحمل يتقدَّس نهائيّاً. وقد يكون غير المسمَّى "مسيحيّاً" ولكنَّه يؤمن بالمسيح أكثر قَدَاسَة ممَّن وُلد مِن أبوين مسيحيَّين ولكنَّه لا يؤمن بالمسيح.

 

الصَّلاَة: أيُّها الآب، نُعظِّمك لأنَّك اختصرت المواعيد والنِّعم كلَّها في ابنك. نسجد لك، ونتمسَّك بك لنشترك في قوَّة محبَّتك. علِّمْنا أن لا نتَّكل على تقوانا الشَّخصية، كي نتحرَّر فنتوب ونتجدَّد في المحبة مع جميع القدِّيسين، لأنَّنا بنعمتك نعيش، ومِن رحمتك نستمرُّ.

 

السُّؤَال:

17- مَن يشترك في وعد الله إلى إبراهيم؟

 

أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا

(عبرانيين 10: 38)

 

4- النَّامُوسُ ربَّانا للمسيح، والمسيح نقلنا للبُنُوَّة

(3: 19- 29)

 

3: 19 فَلِمَاذَا النَّامُوسُ. قَدْ زِيدَ بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ النَّسْلُ الَّذِي قَدْ وُعِدَ لَهُ مُرَتَّبًا بِمَلاَئِكَةٍ فِي يَدِ وَسِيطٍ. 20 وَأَمَّا الْوَسِيطُ فَلاَ يَكُونُ لِوَاحِدٍ. وَلَكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ. 21 فَهَلِ النَّامُوسُ ضِدُّ مَوَاعِيدِ اللهِ. حَاشَا. لأَِنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ نَامُوسٌ قَادِرٌ أَنْ يُحْيِيَ لَكَانَ بِالْحَقِيقَةِ الْبِرُّ بِالنَّامُوسِ. 22 لَكِنَّ الْكِتَابَ أَغْلَقَ عَلَى الْكُلِّ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ لِيُعطَى الْمَوْعِدُ مِنْ إِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ.

 

طرح بُوْلُس السُّؤَال الحاسم: "فَلِمَاذَا النَّامُوسُ". وربَّما كانت كنائسه قد سألته: "أليس الناموس كلمة الله أيضاً؟ فما هي إذاً غاية الشريعة وجوهرها؟ هل لعنةٌ فقط، أم إنَّ فيها نعمة مِن الرَّب؟" فأجابهم بُوْلُس أنَّ للناموس خدمةً واحدةً فريدةً هي إظهار شرِّنا. فالخطيَّة موجودةٌ في العالم قبل نزول الشَّريعة، وقبل إعلان الوعد. ولكن ليظهر الذَّنْبُ واضحاً شرعياً كتعدٍّ، وضع الله الناموس مقياساً لنا، لأنَّنا بدون الناموس لا نعلم حقّاً أنَّنا خطاةٌ. أمَّا الآن، وعلى ضوء الناموس، يظهر الناس جميعاً مذنبين.

 

فللناموس إذاً دورٌ سَلبيٌّ، وهو أنَّه يُربِّينا على الانكسار والتَّوبة، لأنَّه مرآةٌ تُظهر حالتنا أمام الله.

 

لم يُسلِّم اللهُ الناموسَ شخصيّاً لموسى، بل أعطاه بواسطة ملائكة، لأن مِن الله لا يأتي مباشرةً غير النِّعْمَة والخلاص إتماماً للوعد. وهذا يوضح لنا الفرق في المهمَّة بين الوعد والإيمان والنِّعْمَة مِن جهة، والنَّاموس والأَعْمَال والدَّيْنُوْنَة مِن جهةٍ أُخرى.

 

إنَّ للآية 20 تفاسير كثيرة. أمَّا نحن فنقول إنَّ الناموس أُعطي لنا بيدَي موسى الخاطئ الذي كان وسيط العهد القديم. أمَّا العهد الجديد فأتانا مباشرةً مِن الله، لأنَّ يسوع الإنسان هو ابن الله في الجسد. والله واحدٌ، ولم يكن أحدٌ ليستطيع أن يتوسَّط لإتمام الخلاص سوى ابن الله. فوسيطنا إذاً ليس بشراً خاطئاً، بل هو الله الواحد القُدُّوْس نفسه.

 

هل تتناقض صرامة الناموس ولطف الله؟ كلا مستحيلٌ، لأنَّ الناموس يُعلن قَدَاسَة الله كمقياس لحياتنا. فالناموس لا يسقط حتى وإن زالت السماوات والأرض.

 

أمَّا مَن ينظر إلى الناموس بسطحيَّةٍ، ويُقارن اجتهاداته وحسناته به، راجياً أن يُرجِّح الله الكفَّة لصالحه، فهذا يضلُّ ضلالاً كبيراً، لأنَّ الناموس لا يجلب لنا الحَيَاة، بل الدَّيْنُوْنَة واللَّعنة والموت. وجميع الأديان والكنائس التي تبني رجاءها على الناموس تُلقي بأتباعها في لُجَّة اليأس.

 

إنَّ الناموس يغلق على الجميع تحت الخطية، إلاَّ إذا نظروا إلى المسيح مخلِّصهم، وأدركوا أنَّ مواهب الله تأتي إلينا بواسطته. فليس عليك أن تعمل شيئاً كي يُحبَّك الله، لأنَّ الله يُحبُّك لأجل موت المسيح. فإن آمنتَ بفدائه تجري فيك قوىً أبديَّةٌ، ليس لأنَّك موهوبٌ أو صالحٌ أو ذكيٌّ، بل لأنَّك قبلتَ محبَّة الله في المسيح، واعترفتَ بأنَّك خاطئٌ.

 

الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس، الآب والابن والرُّوْح القُدُس، أنت مقياسنا، وبحسب قداستك نحن هالكون. لكنَّنا نُمسك بيد المسيح الممدودة إلينا، ونؤمن بأنَّك تجتذبنا إلى وحدتك، لأنَّ دم المسيح يُطهِّرنا مِن كلِّ إثمٍ، ويُحرِّرنا مِن مطالب الناموس. آمين.

 

السُّؤَال:

18- ما هي غاية الناموس؟

 

أَنَا اللَّهُ الْقَدِيرُ.
سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً

(تكوين 17: 1)

 

3: 23 وَلَكِنْ قَبْلَمَا جَاءَ الإِيمَانُ كُنَّا مَحْرُوسِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ مُغْلَقًا عَلَيْنَا إِلَى الإِيمَانِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ. 24 إِذًا قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ. 25 وَلَكِنْ بَعْدَمَا جَاءَ الإِيمَانُ لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ. 26 لأَِنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. 27 لأَِنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ. 28 لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى لأَِنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. 29 فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ

 

حَكَمَ الناموسُ، في العهد القديم، على الأتقياء بالموت، ولم يُعطهم رجاءً. فأبعَدَ الإنسانَ عن الله، كي يُدرك أنَّه خاطئٌ، ولا أمل من جهوده الخاصَّة، فينكسر، وينتظر الخلاص بالنِّعْمَة. فأدَّى الناموس إذاً، بوصفه حارساً ومُعِدّاً ومُربِّياً، دوراً بارزاً، وخدمةً مهمَّةً جدّاً.

 

يديننا الناموس ويُظهر رجسنا كلَّما رأينا في أنفسنا المتشامخة المتباهية آلهةً صُغرى، فنُدرك أنَّ المسيح هو الوحيد الذي عاش صالحاً وقدِّيساً وبارّاً. فلا رجاء في قدرتك الخاصَّة، إلاَّ أن تنكسر، إن كنتَ من الصَّادقين.

 

لسنا بعد عبيداً للنَّاموس، لأنَّ الإيمان بالمسيح قد أشرق كشمس البرِّ على عالمنا المظلم، ونورُ الإِنْجِيْل يُضيءُ في الظُّلمة، واهباً الرَّجاء للقلوب اليائسة.

 

فكلُّ مَن يقبل يسوع حامياً وترساً ومخلِّصاً ينجو من شكوى الناموس، ويصبح بالحقيقة حُرّاً، لأنَّ الناموس لا يؤدِّب المؤمن بالمسيح، لأنَّ الله قد أصبح أباه بالفرح والخدمة والخضوع طوعاً. والأولاد البالغون ليسوا تحت إدارة المربِّي، بل هم أحرارٌ مسؤولون أمام أبيهم السَّمَاوِيّ مباشرةً. ما أعظم النِّعْمَة أنَّ يسوع المسيح قد جعل من عبيد الناموس أحراراً في الرُّوْح القُدُس، ومن الفانين أولاداً لله! فمَن يستحقُّ أن يدعو الله أباه سوى المتعلِّق بابنه القُدُّوْس الذي يُحبُّنا ويُغيِّرنا إلى صورة مجده؟

 

يُشبِّه بُوْلُس هذا التَّغيير المبدئي في حياة المؤمن بتغيير اللِّباس. فنحن بالإيمان لبسنا برَّ المسيح وقداسته ولطفه وفرحه وسلامه. وإيماننا هذا ليس ظنّاً أو فكراً أو تعليماً، بل هو حياةٌ وقوَّةٌ جديدةٌ. فكلُّ مَن يَقبل المسيح مؤمناً برمز المعموديَّة يصبح إنساناً جديداً، بل ابناً لله الحيِّ.

 

أمَّا الأعجوبة الثَّانية في تحريرنا بالمسيح فهي الوحدة الرُّوْحِيّة والمساواة بين جميع أتباعه. ليس في المسيح أغنياء وفقراء، بل الجميع هم ورثة الله. وقد زال الفرق بين الأذكياء المتعلِّمين والبسطاء غير المتعلِّمين، لأنَّهم جميعاً يعرفون حقيقة الله. والأسياد ليسوا أعلى مقاماً من العمَّال لأنَّ الجميع أولادٌ لأبٍ واحدٍ. كما زال الفرق بين الرجال والنساء في المسيح لأنَّ الجميع بعد القيامة لا يزوّجون ولا يتزوَّجون بل تكون أجسادهم طاهرةً برَّاقةً كملائكة الله. إنَّ هذا الانقلاب الجذريَّ قد بدأ اليوم في الكثيرين مِمَّن وُلدوا ثانيةً مِن الرُّوْح القُدُس. فهُم في المسيح واحدٌ، وهو يعطيهم بملء محبَّته.

 

هكذا برهن بُوْلُس لكنيسته في غَلاَطِيَّة أنَّ موعد الله لإبراهيم لا يمكن أن يتحقَّق بحفظ الناموس، بل بالإيمان بالمسيح وحده. ما أعظم الموهبة في المؤمنين!

 

الصَّلاَة: نسبِّحك أيُّها الآب السَّمَاوِيّ لأنَّك جعلتَنا، نحن الهالكين، أولادَك بالإيمان بالمسيح. ساعدنا على ألاَّ نحتقر إنساناً، بل أن نشهد له، بكلِّ محبَّةٍ، برجاء إرثنا، كي يتحرَّر مِن نفسه، ويلبس مسيحك، ويتغيَّر كُلِّياً، ويشترك في التَّجديد الرُّوْحِيّ الذي ابتدأ في المؤمنين بالمسيح.

 

السُّؤَال:

19- كيف يتمُّ انتقالنا مِن عبوديَّة الناموس إلى حُرِّية ووحدة أولاد الله؟

 

 

إِنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ

 فَتَتَقَدَّسُونَ وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ,

 لأَنِّي أَنَا قُدُّوْس.

(سفر اللاويين 11: 44)

 

5- بنوَّتُنا لله هي نتيجةُ تأديب النَّامُوسِ ،

وفداء المسيح، وعَمَل الرُّوْحِ القُدُسِ فينا

(4: 1- 7)

 

الأَصْحَاح الرَّابع: 1 وَإِنَّمَا أَقُولُ مَا دَامَ الْوَارِثُ قَاصِرًا لاَ يَفْرُقُ شَيْئًا عَنِ الْعَبْدِ مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْجَمِيعِ. 2 بَلْ هُوَ تَحْتَ أَوْصِيَاءَ وَوُكَلاَءَ إِلَى الْوَقْتِ الْمُؤَجَّلِ مِنْ أَبِيهِ. 3 هَكَذَا نَحْنُ أَيْضًا لَمَّا كُنَّا قَاصِرِينَ كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ. 4 وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ 5 لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ. 6 ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا يَا أَبَا الآبُ. 7 إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ لِلَّهِ بِالْمَسِيحِ

 

لخَّص الرَّسُوْل تعليمَه القويَّ عن الخلاص بالنِّعْمَة، وأرى مستمعيه أنَّ خطَّة خلاص الله أتت أوَّلاً بالناموس كمطرقة تكسر رؤوس المتكبِّرين. بَعْدَئِذٍ جاء ابن الله ليُحرِّر عبيد الخطيَّة في سجن الناموس، ويُخلِّصهم، ويُبرِّرهم مجَّاناً. فحلَّ الرُّوْح القُدُس في المؤمنين، وحقَّق الخلاص الذي أتمَّه المسيح على الصَّلِيْب.

 

فهل انسجمت مع خطَّة خلاص الله؟ هل أدَّت تأمُّلاتك في الناموس إلى انكسار كبريائك؟ هل بذَلْتَ ما في وسعك لتكون إنساناً صالحاً في طُرُق الشَّريعة، وفشلتَ في هذا الكفاح، وأدركتَ قلبك النَّجس؟ هل أتمَّ الناموس عمله المُربِّي فيك، فقادك إلى التَّوبة وانكسار النَّفس؟ أم انَّك ما زلتَ غير بالغٍ في الإيمان، عبداً للخطايا، وتحت شكوى الناموس؟

 

إن كنتَ قد أدركتَ أنَّك مذنبٌ خاطئٌ فاسدٌ وأشقى النَّاس، فقد بلغ الناموس فيك غايته. عِنْدَئِذٍ نُبشِّرك، بفرحٍ عظيمٍ، ونؤكِّد لك أنَّ الله أرسل ابنه إلى العالم مولوداً من امرأةٍ مِن الرُّوْح القُدُس. وهذا الإله الذي في هيئة الإنسان هو محور التَّاريخ، لأنَّ الله نفسه أتى بابنه إلينا، فأخضع نفسه للجسد الفاني، واحتمل فرائض الناموس الذي وُضِع لعبيد الخطيَّة. ولم يُخالف بهذا كلِّه قداسته، لأنَّه بذاته جوهر النَّاموس.

 

والمسيح تمَّم جميع الوصايا بواسطة محبَّته، واشترانا بدمه من لعنة الناموس التي لحقَت بنا بسبب خطايانا. فموت المصلوب حرَّرك تماماً مِن عبوديَّة الخطيَّة ودينونة الناموس. لقد دفع ابن الله ديونك الرُّوْحِيّة، فأُبرِئْتَ مِن القصاص الأبديِّ، ليس لأنَّك غنيٌّ أو صالحٌ أو جميلٌ، بل لأنَّ الله أحبَّك وأنت قبيحٌ شرِّيرٌ، وبذل ابنه الوحيدَ عوضاً عنك. فقد دفع الله ثمن المُشترى لأجلك أنت الخاطئ الضالّ.

 

وما هي الغاية الإلهيَّة لتحريرك؟ إنَّها ليست أقلَّ مِن تبَنِّيْك. فيسوع أشركك في حقِّ بنوَّته، كي تصبح بالإيمان ابناً شرعيّاً لله العظيم. فهل تسلك كما يليق لاسم أبيك؟

 

إنَّ أباك السَّمَاوِيّ يعلم أنَّك غير قادرٍ على أن تُتمِّم وصاياه من تلقاء نفسك، ولذلك أرسل روحه القُدُّوْس الذي يُتمِّم فيك خلاص المسيح. وأوَّل ما يُنشئه هذا الروح الإلهيُّ فيك هو الصَّرخة: "يا أبي". فهذا الروح يؤكِّد لك مائةً بالمائة أنَّ الله هو الآب، وأنَّك ابنه المولود من العنصر السَّمَاوِيّ. فتستطيع أن تصلِّي إلى الله الآب باسم المسيح أخيك وفاديك وربِّك.

 

أمَّا الولادة الثَّانية فهي ليست نهاية خطَّة خلاص الله فيك، بل إنَّه يرفعك مِن رتبة عبد في الخطيَّة إلى مستوى وارث مجد الله. إنَّ مجيء المسيح الثَّاني سيُحقِّق في كلِّ مؤمنٍ تغييراً ملحوظاً وتكميلاً للخلاص، فنفرح فرحاً لا ينطق به لسانٌ. فهل أنكرتَ نفسَك لتلبس المسيح حقّاً؟

 

الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، نُعظِّم اسمك الفريد، ونشكر ابنك الوحيد، لأنَّه حرَّرَنا مِن خطايانا، ومن نير الناموس وشوكة الموت، وسكب روحه القُدُّوْس فينا، لنؤمن ونُحبَّ كما يليق بك. وبما أنَّك تقصد خلاص جميع الناس، فإنَّنا نطلب أن يُولَد أناسٌ كثيرون بروحك القُدُّوْس كي يمتلئ العالم كلُّه باسمك.

 

السُّؤَال:

20- ما هي الدَّرجات الأربع في خطَّة خلاص الله؟

 

6- غيرة بُوْلُس على أولاده في الرُّوح

وألمه الشَّديد لأجلهم

(4: 8- 20)

 

4: 8 لَكِنْ حِينَئِذٍ إِذْ كُنْتُمْ لاَ تَعْرِفُونَ اللهَ اسْتُعْبِدْتُمْ لِلَّذِينَ لَيْسُوا بِالطَّبِيعَةِ آلِهَةً. 9 وَأَمَّا الآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ اللهَ بَلِ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضًا إِلَى الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ الْفَقِيرَةِ الَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تُسْتَعْبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ. 10 أَتَحْفَظُونَ أَيَّامًا وَشُهُورًا وَأَوْقَاتًا وَسِنِينَ. 11 أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَعِبْتُ فِيكُمْ عَبَثًا

 

كان الغَلاَطِيُّوْنَ سابقاً أمميِّين وثنيِّين لا يَعرفون الله حقّاً، على الرَّغم مِن عباداتهم لأصنامٍ مختلفة. وإنَّنا نجد كثيرين كهؤلاء مِمَّن يخدمون آلهةً وتماثيل وأرواحاً مضِلَّةً، ويعتبرون وسوسة الشَّيْطَان وحياً لهم، ولكنَّهم لا يعرفون الله حقّاً، بل يشتاقون إليه، محاولين إرضاءه بقرابين وتضرُّعات، رغم أنَّه لا يزال بالنِّسبة إليهم الإله المجهول.

 

ولكن الحمد لله على الانقلاب الرُّوْحِيّ الذي حصل في حياة الغَلاَطِيِّيْنَ الذين كانوا يعبدون الأصنام، ومِن ثمَّ عرفوا الله الحيَّ بعد زيارة بُوْلُس لهم، فتمتَّعوا بأبوَّته الرَّؤوفة، متأكِّدين أنَّه جعلهم أولاداً له بالسُّلطان الذي منحهم إيَّاه المسيح بعدَما قبلوه مخلِّصاً. وبواسطة هذا الإيمان تحرَّروا مِن شكاوى الناموس وتبكيت الضَّمير، وعاشوا في سلام الرُّوح مع الله والناس. وجوهر إيمانهم ليس الاشتياق إلى الله فقط، بل اختبارهم أنَّه اهتمَّ بهم، وطلبهم، وعرفهم، وتبنَّاهُم. فصار إيمانهم مبنيّاً على نعمة عمل الله في المسيح والرُّوْح القُدُس، وليس على جهودهم الخاصَّة الباطلة.

 

بعد مُدَّةٍ مِن الزَّمن، وقع الغَلاَطِيُّوْنَ، مرَّةً أُخرى، في قبضة الناموس. فبدأوا يحفظون السُّبوت وأنظمة الطَّعام ليُرضوا الله، كأنَّ هذا هو عمل البِرِّ الذي يكفيه. وتوهَّموا أنَّ الختان قد يُقدِّسهم أكثر مِمَّا قدَّسهم دم المسيح وقوَّة الرُّوْح القُدُس. فاضمحلَّ إيمانُهم النَّشيط الأصليّ، وعادوا إلى النَّظرة الإنسانيَّة، تاركين امتيازهم بالنِّعْمَة، وسقطوا مرَّةً أُخرى في عبودية الناموس ويأس الجسد، وداسوا ذبيحة المسيح.

 

لم يُرتِّب بُوْلُس يوماً معيَّناً في الأسبوع، ولا عيداً بارزاً في السَّنة، لأنَّه لم يعتبر يوماً أقدس من الآخَر. ونحن، بَعد المسيح، لا نُقدِّس أيَّاماً ولا أعياداً، بل ننظر إلى الإنسان المؤمن على أنَّه قدِّسٌ مقدَّسٌ. فجميع الأيَّام مقدَّسةٌ لقَدَاسَة المؤمن، حتَّى إنَّ حياته وأَعْمَاله ونومه وموته هي جزءٌ من العبادة المَسِيْحِيّة، لأنَّنا نخدم الرَّب بكلِّ نبضةٍ مِن قلوبنا، وبكلِّ شهقةٍ مِن شهيقنا. وهكذا نقرأ: "وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ" (كولوسي 3: 23). فهل أصبحت حياتك كلُّها حمداً وخدمةً وشُكراً لأبيك السَّمَاوِيّ.

 

حفظ المَسِيْحِيّون الأمميُّون يوم الأحد، ليس إرضاءً لله، ولا كسباً لبرٍّ زائدٍ على النِّعْمَة المعطاة لهم، بل لأنَّهم أرادوا تعيين يومٍ في الأسبوع يجتمعون فيه. فلم يجدوا أفضل من يوم الأحد، لأنَّ فيه قام الرَّب مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ. فاختاروا هذا اليوم، ليس كفريضةٍ، بل كرمزٍ للعهد الجديد الذي لا يُطالبنا أوَّلاً بحفظ الأحكام، بل يمنحنا الحَيَاة الإلهيَّة مجَّاناً. فسلوكنا غير مرتبطٍ بأزمنةٍ وطقوسٍ، بل إنَّنا قد انتقلنا إلى حياةٍ روحيَّةٍ. وسلوكنا مستترٌ في السَّماء مع ربِّنا يسوع المسيح الذي جعلنا من الخالدين وليس من الفانين.

 

الصَّلاَة: نُعظِّمك أيُّها الآب السَّمَاوِيّ لأنَّك جعلتَنا أولاداً لك، ونقلتَنا من الزَّمن إلى الأبد، ومن الفساد إلى البقاء. ساعدنا على ألاَّ نتمسَّك بطقوسٍ أو أنظمةٍ أو أعيادٍ، كأنَّ هذه الأساليب النَّامُوْسِيّة تُق&